أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / الثوري والسلطة ( الادارة ) نموذجان متنافران

الثوري والسلطة ( الادارة ) نموذجان متنافران

الثوري والسلطة ( الادارة ) نموذجان متنافران

حسين عمر

الثوري بطبعه يرفض السلطة كشكل من اشكال ادارة المجتمع , الثوري يتحرك بموجب خاصية المبادرة والتي تعتمد على الممكن والمتوقع والافضل والاكثر ملائمة , ويتخذ القرارات حسب الزمان والمكان ,معتمدا على مصلحة تطور الثورة وانتصارها ,بعكس السلطة ( الادارة ) التي تتقيد بقوانين وسلوكيات وخطط موضوعة ومرسومة تسير عليها , تمرر كل شيء من المنظور القانوني والمخططاتي الموضوع مسبقا ,لهذا يرسب الثوري في امتحان الادراة المجتمعية فهو يقوم بفرض معتقده النظري الثوري على المجتمع ,يجبر كل افراد المجتمع ان يتحولوا الى ثوريين مثله ,ولا يقبل ابدا بخروج احد منهم من بوتقة النظرية الثورية التي يطبقها حتى لو لم تكن متلائمة مع الظروف المحيطة . فعلها ستالين ودفن الملايين من اجل فرض اللينينية , وفعلها ماو من اجل ما سماه ثورته الثقافية ونهى حياة الملايين من البشر , كذلك الخمير الحمر وموغابي وتيتو وشاوشكو وانور خوجه ,وعبد الفتاح اسماعيل , وفيدل كاسترو.
انها اشكالية مريعة لم يجد احد لها حلا ,الا نلسون مانديلا ,الذي طوع قناعته الثورية مع النمط العصري للادارة وشكل سلطة تستند للقوانين وتتحكم للخطط ,وتحول الكادر الثوري الى موظف يطيع القانون دون ان يطوعها.
في هذه المرحلة المتقدمة من تسيد الراسمالية المتوحشة ,صار ممكنا القضاء على اية ثورة منتصرة من خلال تحريك عدة وسائل اعلامية تذرع الشك داخل المجتمع وتدفع الجماهير للوقوف ضد خطوات تثبيت اركان الثورة , لا بل تدفع بالذين تعمل الثورة لاجل رفاههم وحريتهم ليطالبوا بالعودة الى ما كانوا عليه من وضع تشبه وضعية العبيد.
نجاح الثورات في هذا العصر لا يثبت او يستقر الا اذا كان الثوري مدركا بانه جزء من المنظومة القائمة ويعمل على تهذيبها ومن ثم تطويرها . ولهذا لا يمكن للكوادر الثورية الا أن تلتزم بالقوانين التي لا تتعارض مع الرغبة العامة للجماهير حتى ولو كانت تتعارض في بعض بنودها مع نظريته الثورية . وعلى سبيل المثال ,لا يمكن للكادر ان يكون قاضيا في مجتمع يحكمه القانون ,لانه باختصار يفتقد الى معرفة جوهر القوانين وكيفية تطبيقها ,لانه بالاساس كان يحكم من خلال مصالح وطبيعة الثورة واستنادا على مبادرته الفردية بعد تحليل وضعية الزمان والمكان ,وكيفية تطويع القرار لخدمة الثورة بعكس المحاكم التي تجري من وراء الطاولة وفي غرف اوصالات مخصصة يوجد فيها كتاب الدستور والقوانين المدنية ,والتي تجبره على اصدار الحكم حسب موادها حتى ولو عرف بانها تضر الثور.
نجاح الطليعة التي قادت الثورة مرتبطة بالدرجة الاولى بكيفية توزيع المهام بين اعضاءها كل حسب امكانياته المعرفية والثقافية والدراسية بعيدا عن جدارته العسكرية او عمره الثوري . والتجارب العالمية الفاشلة والثورات التي تحولت الى دكتاتوريات كان السبب الرئيسي فيها هو محاولة تطويع المجتمع حسب النظرية الثورية وتحكم الكادر ( الثوري الممتلك لتجربة عسكرية والتي على اساسها تم ترقيته ) بمفاصل الحياة العامة للمجتمع , وتطبيقه للقوانين الثورية والتي تتعارض مع القوانين المجتمعية ,مما يؤدي الى حالة من التململ والتذمر بداية ثم تتحول الى سخط وفقدان الثقة وبعدها الى حالة رفض عامة . مما يدفع مستلمي الامور من الكوادر الى فرض اجراءات عقابية على الساخطين والرافضين وبدورهم تتحول الشريحة تلك الى فئة معادية للثورة , بعد ان كانوا حجر الاساس لتثبيت اركان الثورة.
ما نريد التوصل اليه في هذا العرض الموجز عن الصراع بين قوانين المجتمع وقوانين مرحلة الثورة والذي هو صراع تناحري لا يمكن تحيده الا بوضع الرجل المناسب معرفيا وثقافيا واجتماعيا في المكان المناسب ,وتطبيق ما يمكن تطبيقه من النظرية الثورية دون فرضها ككل موحد ,بل تجزئتها وتطبيقها على مراحل من خلال توعية الجماهير لقبولها بعد ان يدرك ويقتنع بماهيتها وفوائد تطبيقها .ولا ننسى ان المجتمعات المتخلفة هي مجتمعات رافضة لكل جديد ببنيتها الثقافية الموروثة ,ولهذا فهي جاهزة ان يتفوق فيها خاصية الرفض على خاصية القبول في حال اجباره او فرض ما هو غير مقتنع به.

شاهد أيضاً

متطلبات المرحلة الجديدة

متطلبات المرحلة الجديدة المرحلة الجديدة التي بدأت تتطلب ان تغير الحركة السياسية الكردية من سياستها …