أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / ‏( جُبران يعود من جديد ) … رسالةٌ إليّ ، ورسالةٌ منّي

‏( جُبران يعود من جديد ) … رسالةٌ إليّ ، ورسالةٌ منّي

‏( جُبران يعود من جديد ) … رسالةٌ إليّ ، ورسالةٌ منّي

رسالة منها

يُذكِّرُني النص الحزينُ بفيكتور هوغو صاحب الروائع العالميّة التي لا تموت، وإن
كُنتُ أحبُّ منها رواية ( البُوسَاء ) ، فأنا مثلك ومثل الكثيرين تستهويني حالة الحُزن النبيل ؛ ولكني أختلف عنك ، فأنا أُمارسها في حالات الضعفِ واليأس التي أنتصر عليـها بإرادة البقاء على قَيْدِ وعد النوَّار .
أما أنتَ ؛ فأشعُرُ أنكَ تركُضُ على دَرَجِ الحُزنِ ، وكم أخشَى يا صديقي أن تكُونَ
على أعتابِ السُّهوم ، وهي مرحلة سعادة الحُزن .
وعندما أذكُرُ هُوغو وحُزني أذكُرُ هذا التعبير العميق ( فالحُزنُ كالغَيْمِ وهو يُغيِّر
شكله ) ، فأنا أُمارس كثيرًا هواية رسْم مشاعر الحُزنِ بريشةِ الغَيمات على هيئة وجُوهٍ مُخيفةٍ وأخرى حزينة وربما باكية .
نحنُ ـــ غالبًا ـــ نرسُمُ لوحاتٍ تعكسُ تجاربنا في الحياة ومراحل النمو أو النُّضُوج
الفكريّ والعاطفيّ ، وتتحكم في ريشتنا الأجواءُ والحالة النفسيّة ؛ فقد أرسُمُ أنا من غَيْمةٍ شاردةٍ صُورةَ أُمٍّ تحملُ رضيعها لأنني أفتقدُ أُمِّي ، أو رُبما على هيئة غليُون أبي عندما يــهُــزُّني الشوق إليه وإلى عطرهِ .
بينما ترسُمُ أنت الغيمات نفسَها على هيئةِ قاتلٍ يحملُ خنجرًا ومئذنةٍ تحترقُ
بعدما تمَّ قصفُها في إحدى الضرباتِ الجويَّة .
إِذن يا صديقي ؛ علينا أن نُغيِّرَ تلك النظرةَ السلبيَّة بداخلنا ونُحرِّرَ الغيمات من
حماقةِ ريشتنا ، وعلينا أن نمضي لنرسُمَ على ضفاف الحُلمِ موطنَ الأزهار ؛ فنحن مرايا الحُزن ونحن أيضًا انعكاسه ؛ فكيفَ نُضارُ لو أنـــَّا مارسنا خديعة التغيير حتى على المرايا ؟

المرايا لا تعكسُ غير الحقائق [ رسالة مني ]

4
جاءتنِي رسالتُكِ فرأيتُنِي اضطربُ وتهُزُّني مشاعرُ الصَّمتِ الحالمِ .
وكُنتُ قُلتُ لكَ ذاتَ يومٍ إِننِي أُعايشُ كلامكِ مُعايشَةً حقيقِيَّةً لأني أجدُ مع
سَطركِ حالةً من الوجدِ لا أستطيعُ تفسيرَها، غيرَ أنهَا تُعيدُني إلى دُنيا منَ الماضِي الجمِيلِ الذي خلَّفتُهُ ورائي مُنذُ أمدٍ طويلٍ فاستقرَّ هُناكَ قابعًا بينَ تلافيفِ التاريخِ وإن كانَ مِنَ الصَّعبِ علَى مِثلِي أن ينسَاهُ أو يَتنَاسَاه .
لا أستطيعُ أن أُفهمَكِ طَبيعَتِي إِذ قرَّرتُ لكِ أكثرَ من مرَّةٍ كَيفَ هُوَ أنا؛غَيرَ أنكِ
مُولعَةٌ بتَقرِيرِ ما يرَاهُ عَقلُكِ الذي أُحبُّهُ غَيرَ أني قَد أُزعجُهُ بالمُخالفَةِ حِينَمَا يَعصرُ وجدَانِي بذكرِ كلامٍ دَالٍّ؛ غَيرَ أنهُ لا يدُلُّ علَيَّ، وإِنمَّا يدُلُّ علَى رؤيتِكِ أنتِ .
لا أُنكرُ عَزيزتِي أني رَجُلٌ اعتَادَ الحُزنَ؛ولَيسَ هَذا بعَيبٍ إِذ كانت أقدَارُ حيَاتي
هيَ التِي فَرَضَت حَالةً مَا، وإِنمَّا يكمُنُ الخَطَرُ إِذا ما كانَ الإِنسَانُ مُحبًّا لحَالةِ الحُزنِ علَى أنَّ تاريخهُ وواقعهُ لا يدفعانهُ إلى ذلكَ؛ فكَيفَ وأنا دائمُ البَحثِ عن الحقائقِ التِي تكسِرُ مِن سَطوَةِ هَذا الحُزنِ المُلابسِ لأيامِي ؟
أعتقِدُ أنكِ ما زلتِ في حاجَةٍ إِلى فَهمِي .
الصِّدامُ الأخيرُ بَينِي وَبَينكِ لهُ مُبرِّراتـُهُ، ولا أعِدُكِ أنهُ سيكُونُ الأخيرَ وإِن كَانَ
الأوَّلَ، لا أعدُكِ بذلِكَ ؛ فمَا دُمتُ أنا وأنتِ بطَريقٍ واحدٍ ، فالمُزعجَاتُ محُتمَلةٌ، وكمَا أني أحتمِلُ مِنكِ بَعضَ شَطَطِكِ الجَميلِ فَإِنهُ يجَبُ عَلَيكِ أيضًا أن تحَتمِلِي بَعضَ مَا يجَيءُ منِّي مِمَّا يُخيفُكِ أحيانًا ـ علَى حدِّ تعبيرِكِ ـ، فكُلُّ واحدٍ مِنَّا يُجاهدُ أن يُحافظَ علَى هَذِهِ العَلاقةِ بطريقَتِهِ؛ وإِن كُنتُ أعلَمُ أني أخافُ عَلَيكِ في رقَّةٍ ما بهَا مِن غِلظَةٍ، ونُصْحٍ لا يَشُوبـُهُ كِبرٌ أو حمَاقةٌ، وأنا أسألُ اللهَ أن يُلهِمَنِي الصَّبرَ علَى مَا يَعرضُ لِي مِن حَالاتِ الجنُونِ التِي أراهَا مِنكِ مِن دُونِ مُبرِّرٍ مُقنِعٍ أو سَبَبٍ تُحتمَلُ نَتِيجَتُهُ .
عَزيزتِي البهيَّة … كُونِي بخَيرٍ .
واعلَمِي أنَّ الأقدَارَ هيَ التِي تَحكُمُ مَصِيرِي ومَصِيرَكِ … والسَّلام .

محمد دحروج‏

شاهد أيضاً

ذات ضُحَى

ذات ضُحَى   أحمد بنميمون     كان الصحو شديد الإضاءة، لدى ارتفاع ضوء ذلك …