أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / الأدب الكردي

الأدب الكردي

الأدب الكردي *

كايث هيجنز

ترجمة : جلال زنكَابادي

تأثر الأدب الكردي، في القرن العشرين، بعمق ببضعة شروط خارجة عن إرادة وقدرات الأدباء الكرد أنفسهم إلى حدّ بعيد؛ حيث حال غياب وحدة كردستان سياسيّاً واستقلال الكرد قوميّاً، زائداً التخلّف على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي، حال دون نشوء ونهوض أدب حديث.. لقد أحبطت تجزئة كردستان (موطن الكرد المعروف عموماً بهذا الإسم) بين تركيا وسوريا والعراق وإيران، عقب الحرب العالميّة الأولى، أحبطت المساعي والجهود المبذولة؛ لتكوين لغة أدبيّة موحّدة، بل تعرّض التعبير الأدبي عن الشعور القومي الكردي للعسف والقمع مراراً.
كان وضع الأدب الكردي في كردستان تركيا أسوأ ممّا عليه في الأجزاء الأخرى، في حين عُرِفت الكرمانجيّة الجنوبيّة (السّورانيّة) كلغة رسميّة في العراق، ونشرت بها صحف وكتب، بمدى نسبيّ ملحوظ، وبرزت شلّة متكافلة من المثقفين بثّت الحيويّة في أوصال أدب كردي جديد، بصورة رئيسيّة.
جليٌّ ان الأدب الأدب الكردي الحديث مازال في طور النشوء، بل لم يحظ بالتطوير المنشود والعناية ذات المقوّمات المنظّمة من قبل المثقفين الكرد أنفسهم !
وقد كان أوّل كتاب مختارات من الأدب الكردي ديواناً هزيلاً، نُشِر لأوّل مرّة في سنة 1938، ثمّ صدر أوّل تاريخ جاد للأدب الكردي (الشعر والأدب الكردي) بجزأين في (1941 و 1956) لرفيق حلمي (تاريخا ولادته ووفاته مجهولان) (1) ثمّ نسي بحّاثة الغرب الموضوع تقريباً!
أضحى للصحف والمجلاّت الكرديّة دورها المهم في الإزدها الأدبي، حيث غدت الصحف محافل لتجمّع الأدباء، ومنافذ ترى نتاجاتهم النور عبرها، وهنا تجدر الإشارة إلى أهمّ المجلاّت: (زين = الحياة/ 1920- 1963)، (كَلاويج= نجمة الشِّعرى/ 1939- 1949) و(ده نكَى كَيتى تازه= صوت العالم الجديد/ 1943- 1947) وقد صدرت جمعاء في العراق، وكانت صفحاتها منابر لنشر الشعر التقليدي والشعر الجديد والقصص القصيرة، ومناقشة مسائل اللغة الحديثة والتطوّرات الأدبيّة..
كان الشعر خلال العقدين الأوّلين من القرن العشرين يحتلّ المنزلة الأولى في المشهد الأدبي، وكان التجديد ملحوظاً في قصائد الشعراء الطليعيين، رغم سيادة الأوزان العروضيّة والأغراض التقليديّة، وقد اشتهر الشيخ رضا طالباني (1842- 1910) بأشعاره الهجائيّة اللاذعة والفاحشة جدّاً، ولعلاقته بالتصوّف؛ فقد دار بعض أشعاره في فلك المواضيع الدينيّة، وكان ملتزماً بالشكل الكلاسيكي، لكنه انتبه في أواخر عمره إلى الظروف الإجتماعيّة المستجدّة؛ فوظّف لغته الأم (الكرديّة) لتدشين أسلوب تعبيري جديد..وكذلك كان للشاعر (أدب) (1859- 1916) دوره الملحوظ في التغيير؛ فقد غنّى للجمال والحب ومباهج الحياة، على الطريقة التقليديّة الشرقيّة، ويشتمل ديوانه(المنشور في 1936) على أشعار تعبّر عن أحاسيسه ومشاعره الحقيقيّة الصّادقة، في محيطه الواقعي.
وفي الفترة مابين الحربين العالميّتين، لوحظ اتجاهان رئيسيّان في الشعر الكردي: الشعر الحضري المستلهم لمعارك النضال من أجل الإستقلال والإستنهاض الثقافي، والشعر الرومانتيكي المصوّر لأحداث الماضي تصويراً حيّاً نابضاً، وكان هناك تجديد مشهود في كلا المضمون والشكل.
وهنا تجدر الإشارة إلى احمد مختار الجاف(1897- 1935) الذي تمسّك بالشكل الكلاسيكي، وبانت مسحة من الكآبة على أشعاره، لكنه راح يولي اهتمامه تدريجيّاً بوقائع الحياة الصعبة، ويطالب بالإصلاح الإجتماعي…وظهر شاعر آخر بهذا النزوع، هو يونس دلدار(1918- 1948) وحاول تغيير الأساليب الشعريّة السّائدة منذ قرون.
وبعدها ظهرت جنباً إلى جنب الأشعار المنظومة على بحور الشعر العربي أشعار منظومة على الأوزان الهجائيّة ذوات المقاطع السباعيّة والتساعيّة، وراحت القوافي تتحرّر أكثر فأكثر، وتقترب الأشعار من أذهان العامّة وفهمهم، وتتقوّى الكلمات وبنى الجمل الكرديّة على حساب الموديل الأجنبي، أي بالإبتعاد عنه.
وكذلك راح النثّارون (كتّاب النثر) يفتحون أحضانهم أكثر من الشعراء لاستقبال المواضيع السياسيّة والإجتماعيّة، ويبحثون عن الأساليب الجديدة؛ بغية التعبير عنها؛ فولدت القصّة القصيرة إثر تلك الممارسة الكتابيّة، التي دشّنت شكلاً أدبيّاً مختلفاً انطوى على حبكة وشخصيّة غير متناميّتين، مع التأكيد على رسالة الأديب.
لقد انعكست مراحل الأدب الكردي في النصف الأوّل من القرن العشرين في أعمال توفيق بيره ميرد(1867- 1950) والذي قد يكون أشهر شخصيّة في مشهد الأدب الكردي الحديث؛ فقد كان ذا اطّلاع عميق على الشعر الكردي الكلاسيكي، الذي لاءمه بحذاقة مع متغيّرات الحقبة التالية للحرب العالميّة الأولى، وقد اختار الأوزان البسيطة الشبيهة بالأوزان الفولكلوريّة، مثلما في منجزه(به ندى بيشينان= أمثال القدامى/ 1936) والذي كان بمثابة صياغة جديدة للشعر الكردي، عبر ما يناهز الـ (6500 بيت شعر) وكان بيره ميرد أستاذاً في كتابة القصّة القصيرة ودؤوباً على استلهام ماضي الكرد، وقد أصبح إحياؤه لملحمة(فرسان مريوان الإثني عشر) في 1935 أثراً كلاسيكيّاً.
وإبّان سنوات الحرب العالميّة الثانية، هيمنت الطروحات الوطنيّة والإجتماعيّة على الشعر والنثر، وظهرت النزعة الواقعيّة بمثابة تجربة أدبيّة مغايرة، وبرز الشاعر عبدالله كَوران (1904- 1962) عقب الحرب، وكانت أشعاره في مرحلة شبابه أغنيات رومانتيكيّة في التغنّي بالحب والطبيعة، وكانت منظومة نظماً كلاسيكيّاً: غزليّات، قصائد ورباعيّات (الغزليّة: قصيدة غنائيّة قصيرة، غالباً مايكون مضمونها دينيّاً- صوفيّاً، بينما تكون القصيدة أطوال منها وتعنى بالفكر التعليم والوعظ) ثم تخلّى كَوران عن (العروض) وراح ينظم على أوزان وقوافي الشعر الفولكلوري، والتي تنبثق أنغامها من حب الوطن، مثلما في(الجنّة والذكرى/ 1950) ومن ثمّ أبدع كَوران جنساً أدبيّاً جديداً في الأدب الكردي، وهو (الشعر الدرامي) مثل الدراما الشعريّة(الوردة المدمّاة/ 1950) والتي تستحضر وتجسّد تعاسة عاشق وعاشقة فرّقَ التفاوت الطبقي- الإجتماعي بينهما، وقد ذاعت ونالت استحساناً مشهوداً.
أمّا الناثر الطليعي في مرحلة مابعد الحرب العالميّة الثانية، فهو شاكر فتاح (المولود في 1910) (2) والذي إنتقد التشكيلة البطريركيّة والدينيّة في المجتمع الكردي انتقاداً شديداً في بضع قصص له، ومنها(زهرة عبّاد الشّمس/ 1947)
وهكذا فقد نال جنسا الشعر والقصّة القصيرة منزلة فنّية مرموقة، لكن الوقت لمّا يزل مبكّراً لنشوء جنسيِّ الرواية والمسرحيّة الحديثتين..ورغم ان الأحاديث والمقالات كثيرة عنهما، لكنّهما في انتظار كتّاب قديرين في مقدورهم استلهام الأساطير والحكايات والمعطيات الإجتماعية المستجدّة؛ بغية تحقيق ابداع نتاج فني رصين ورفيع المستوى.
وعلوم ان حال الأدب الكردي في الإتحاد السوفياتي مختلف عمّا أسلفناه في لمحتنا هذه؛ فقد ظهرت بواكير الأعمال الأدبيّة الناضجة في سنة 1930 وراح الأدب الكردي بعدئذ يعكس التطوّر العام في الأدب السوفياتي، ولعلّ أشهر الأدباء الكرد هناك هو عرب شمو(عرب شاملوف المولود في 1897) (3) والذي تتناول رواياته حياته وحيوات الكرد النازحين من تركيا إلى هناك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشارات المترجم (ج. ز):
(1) رفيق حلمي(1898- 1960)
(2) شاكر فتاح(1914- 1988(
(3) عرب شمو(1895- 1978(

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* Leonard S.Klien
(General Editor)
Encyclopedia of World Literature in the 20th century
Revised Edition, Volume 2, E to K.
Frederick Unger Publication
Co. New York, 1984,
PP 627- 629

و(Keith Hitchins) تولّد 1931) مستشرق معروف مهتم بالآداب الشرقيّة، وقد ترجم الشاعر والباحث فرهاد شاكلي هذا المبحث إلى اللغة الكرديّة، ونشره على صفحات مجلّة (ماموستاى كرد) الفصليّة الصادرة في السويد (ع26 صيف 1995)

شاهد أيضاً

كن صارخًا لا ترهبْ

كن صارخًا لا ترهبْ القس جوزيف إيليا كنْ صارخًا لا تنمْ ولا ترهبْ في عالَمٍ …