أخبار عاجلة
الرئيسية / جولة الصحافة / إدلب والاستئصال الدموي الكبير

إدلب والاستئصال الدموي الكبير

إدلب والاستئصال الدموي الكبير

جنكيز اكتار

قد لا يتجاوز الإسلام السياسي الطائفية أبدا في الدول التي توظّفه سياسيا. وعندما تحاول هذه الدول الدفاع عن أيديولوجيتها في الخارج فإنها تتصرف في إطار طوائفها الدينية. ولم يمتد تركيزها من قبل مطلقا إلى التحزبات المتجذرة في تلك الطوائف.

ربما كان الاستثناء الوحيد في هذه القاعدة حزب العدالة والتنمية التركي خلال سنواته الأولى بعد وصوله إلى السلطة في عام 2000، إذ تطلعت إداراته إلى الجمع بين المؤسسات والأعراف الديمقراطية من جانب، وبين تفسيره للإسلام السياسي من جانب آخر.

وكان نهج حزب العدالة والتنمية في مراحله الأولى إزاء ديانات أهل الكتاب والطوائف الإسلامية محليا وخارجيا يتناقض مع نهج دول أخرى مؤثرة في المنطقة. وأسس حزب العدالة والتنمية التركي قواعده في أرض بكر، وهو يضع نصب عينيه عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي معتمدا على مؤسسات حديثة من الحقبة العلمانية، ومتحررا من العلاقة الشائكة التي ربطت النخبة العلمانية بالدين.

وفي الداخل، استفاد التفسير الجديد للإسلام السياسي بدهاء من موقعه الفريد، أدخل إصلاحات ومرر تشريعات اعترفت بالأقليات الدينية في تركيا، ومنحتها صفة الشرعية. وبشهادة الجميع كانت هذه الإصلاحات محدودة لكنها فرضت وضعا جديدا.

الإصلاحات والقوانين التي أقرها حزب العدالة والتنمية مهدت الطريق للأقليات الدينية لاسترداد وتسجيل بعض ممتلكاتها، وأتاحت المجال لوجود نقاش عام بشأن مذبحة الأرمن.

وعلى الصعيد الخارجي، وبعد التدشين الرسمي لمفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في أكتوبر من عام 2005، أصبح أعضاء حزب العدالة محور الاهتمام بعدما أعلنوا أنهم إصلاحيون ديمقراطيون وليسوا إسلاميين متعصبين.

وقد ظهر نموذج دولة مسلمة جديدة تجمع بين الإسلام والديمقراطية، وتختلف تماما عن النموذجين السابقين الإيراني والسعودي. لكن ولسوء الحظ، لم تستمر المحاولة طويلا، فلقد عجز حزب العدالة والتنمية عن احتضان أي جماعات دينية غير المسلمين السنة، وانتهت مساعيه لترويض وإضفاء الشرعية على جماعة الإخوان المسلمين بتشدده هو ذاته.

ويتجسد الفشل الكامل لسياسات حزب العدالة والتنمية في سوريا والعراق في الهجوم الوشيك على محافظة إدلب، آخر معقل رئيسي للمعارضة في سوريا. ولم يشر هذا إلى انهيار نظرية الإسلام السياسي لحزب العدالة والتنمية فحسب، بل إلى سقوط الإسلام السياسي السني في الشرق الأوسط.

ومن السذاجة افتراض أن يمر هذا الانهيار وهزيمة قوات المعارضة السنية في إدلب بهدوء أو سلام، والدليل على ذلك يثير الخوف. وتماما كما خططت روسيا وإيران وشريكتهما المقنعة الصين منذ شهور، فإن الجماعات الجهادية المتطرفة متركزة في إدلب باستثناء المجموعات الواقعة تحت سيطرة أنقرة في شمال سوريا.

والآن يجهز هذا التحالف للقضاء عليهم، لكن يوجد ثلاثة ملايين مدني في إدلب نصفهم نازحون من مناطق سورية أخرى. إن معركة إدلب تهدد بتفجير كارثة إنسانية ضخمة، لكن يبدو أنه لا أحد يهتم بذلك.

ولم يعد المتطرفون الجهاديون يجدون أحدا يحميهم بعد اليوم بعدما ازدهروا تحت حماية أنقرة ولهجة الغرب المعادية للرئيس السوري بشار الأسد، ولا يدعمهم حاليا إلا المنتفعون من ورائهم مثل الحكومة التركية.

والهدف الوحيد لحزب العدالة والتنمية هو اللعب بورقة الجهاديين واللاجئين، أو التصريح بمخاوفه بشأن احتمال انفجار كارثة إنسانية في إدلب من أجل الحصول على مقعد في محادثات السلام السورية المقبلة حتى يشارك في جهود إعادة إعمار سوريا. وكل ذلك ذهب سدى.

لقد فشل الإخوان المسلمون في طرح أي تغيير سياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ربما باستثناء نجاح حزب النهضة المرتبط به في الانتخابات التونسية

ويحتفل الغرب، الذي يذرف دموع التماسيح في العلن، بزوال الجهاديين في إدلب. والدول التي جاء منها هؤلاء الجهاديون، ومنها تركيا، فهي سعيدة بهذه النهاية تماما كسعادة الصين وروسيا.

ويقول خبراء ومحللون إن إدلب فيها خمسة آلاف من مسلمي الإيغور الصينيين، وثلاثة آلاف روسي، وعدد قليل من مسلمي دول أوروبا الغربية. ولا تريد أي من هذه البلدان عودة هؤلاء المتطرفين إليها.

لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن أيام هذه المجموعات في سوريا باتت معدودة. والمخرج الوحيد أمام أعضاء هذه الجماعات هو التحرك باتجاه عفرين وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا، ودخول الأراضي التركية في النهاية.

ويسبب هذا مشكلة أمنية كبيرة لتركيا، لكن ولضعف حزب العدالة والتنمية، يبدو أن تركيا ستستقبل الآلاف من الجهاديين قريبا. ولم يكن صعبا توقع هذه النهاية في إدلب، لكن الحكومة التركية التي يعميها الغرور لم تتوقع جسامة وخطورة الموقف في سوريا.

الآن، يشكو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “صديقه” بوتين إلى “عدوه” ترامب في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال. إنه لا يزال يتجاهل التعليمات التي تلقاها في قمة مع روسيا وإيران في طهران. إنه يهدد أوروبا بتدفق اللاجئين.

ولعجزه عن إدراك حجم الخطر غير المسبوق، وضع تركيا في المشكلة وهو يظن أنه لا يزال يستطيع استغلال الموقف لصالحه. إنه لا يدرك أن المعركة في إدلب ليست فقط نهاية الحرب الأهلية السورية؛ إنها نهاية الجهاديين. وهي استئصال دموي لآخر نسخة من الإسلام السياسي في الشرق الأوسط.
المصدر:جريدة العرب

شاهد أيضاً

جميل مظلوم: الدعاية المغرضة لن تنال من صلابة الإدارة المحلية في منبج … ومصير المدينة بيد أبنائها فقط

جميل مظلوم: الدعاية المغرضة لن تنال من صلابة الإدارة المحلية في منبج … ومصير المدينة …