أخبار عاجلة

الحجّ

الحجّ

ترجمة :ماهر جمو
عائلة إفريقيّة مؤلّفة من أبٍ وأمٍّ وصبي وفتاة، تودّع قبيلتها التي حلّ بها القحط، قاصدةً الطريق إلى مكّة.
الأب يصطحب معه طائراً بريّاً جميلاً كهديّة إلى الله، والأمّ حصيرة بيتها. الولد يحمل أزهاراً بريّة مقتلعة من الجذور، والفتاة مشط شعرها.
عندما تبدأ العائلة بتوديع القبيلة وطلب الصفح منها، يرسل كلّ فرد السلامَ إلى الله وهديّة إليه. أحدهم يهب مكنسةً لأجل الله، وآخر جواربه المثقوبة، وثالثٌ يهب وعاءه الخاوي. هكذا كلّ شخص يهب شيئاً ما. أشخاصٌ كثيرون وهبوا أزهاراً بريّةً، وطفل مدرسة كتب رسالةً إلى الله يقول فيها: “مرحباً يا ربُّ، نحن لا نستطيع المجيء إلى بيتك، بيتك بعيدٌ جدّاً. تعال أنت إلى بيتنا”.
عندما ابتعدت العائلة الإفريقية عن قبيلتها بدت تلوح متواريةً تحت حجم الهدايا التي يحملونها إلى الله.
من الجانب الآخر يودّع مخرج أفلام وثائقية، وهو ألمانيّ مسلم، زوجته وأصدقاءه في مطار فرانكفورت ويركب الطائرة المتجهة إلى مكّة لتصوير مراسم الحجّ.
وفيما هو يؤدي مناسك الحج يقوم بتسجيل هذه المراسم وتصويرها أيضاً. أحياناً يلفت نظره مشهدٌ ما، ولكن بسبب مشكلات معيّنة لا يستطيع تسجيل ذلك المشهد، وأحياناً أخرى ينجح في ذلك.
يستأجر المخرج أحد الأشخاص كحمّال، ليحضر له معدّاته وأغراضه، ولكن نظراً الى أنّ إعطاء الأوامر للآخرين أمرٌ محرّم في الحجّ فإنّه يجد نفسه في مواجهة مشكلات أخرى جديدة.
العائلة الإفريقية قطعت مسافةً طويلة، أزهارها ذبلت والطائر بات على وشك الموت.
بعد مضيّ وقت طويل من العطش الشديد على مسيرها عبر الصحراء المتشقّقة من الجفاف، تعثر العائلة على بقعة صغيرة من الماء بمقدار راحة يد، كانت متبقيّة من ماء المطر. أوّل ما فعلوه هو إرواء طائر الله، ومن ثمّ وضعوا جذور الأزهار في الماء ثمّ بعدها غمسوا إصبعهم فيها وتوضأوا لأجل الصلاة ثمّ مسحوا ألسنتهم بالماء لكسر العطش.
المَشاهد المتعلّقة بمسير العائلة الإفريقية تُعرَض بشكل قصير ومتوازٍ مع مراسم الحجّ، المراسم التي تعبّر عن رؤية المخرج الوثائقيّ.
شيئاً فشيئاً تتخلّف العائلة الإفريقية عن أداء فريضة الحجّ، وعندما تقترب مناسك الحجّ من نهايتها تكون العائلة الإفريقية في حال نزاعٍ مع الموت بفعل العطش والجوع. أزهارها جفّت والطائر – مع أنّه حرّ – عاجزٌ عن الطيران.
مُخرجنا الوثائقيّ الذي تابعنا معه مراسم الحجّ، والذي تعتريه أحياناً نشوةٌ عارمة لما قام به من تصويرٍ مديد لطقوس الحجّ ومناسكه، يعزم الآن على تصوير أحد المشاهد النهائية لمراسم الحجّ. الناس يطوفون حول الكعبة، وهو يتهيّأ لإعداد كاميرته ومن ثمَّ يضع عينه خلف العدسة، لكن فجأةً يرى أنَّ الكعبة ليست في مكانها.
في الجانب الآخر، يبدو أن الكعبة قد قدمت إلى الصحراء وراحت تطوف حول العائلة الإفريقية؛ فبدأت الأزهار الذابلة تتفتّح من جديد، والطائرُ حلّق، وأخذت الحروف تمّحي من رسالة ذلك الولد..

محسن مخملباف

شاهد أيضاً

أغذو غُصنا هشا لزهرٍ ذابل

أغذو غُصنا هشا لزهرٍ ذابل حسن حصاري وتذبلُ في قلبي ازهارٌ لكِ وأنا أقف على …