أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / حول المركزية و اللامركزية (2)

حول المركزية و اللامركزية (2)

حول المركزية و اللامركزية (2)

باقر الكردو

2- اللامركزية وأسباب تطبيقها

تتقلص الحدود الوطنية بوتيرة سريعة في عالم معولم يتجه نحو تكتلات إقليمية مهمة (الاتحاد الأوروبي، اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية….) ونحو المزيد من التجانس. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي يتسارع تفكك الدولة القومية، فأصبحت اللامركزية والحكم المحلي عناصر أساسية في الإصلاح السياسي والإداري في العديد من البلدان، على سبيل المثال اعتمدت بلدان كإسبانيا في سنة 1978 بعد نهاية العهد الفرنكي وبلجيكا 1993 سياسات واسعة من اللامركزية وفي عام 2002 اتبعت إيطاليا نفس الطريق.

وفي البلدان النامية، نجد ايضا ان هناك اتجاه نحو مزيد من اللامركزية. في عام 1995 إعتمدت إثيوبيا العديد من سياسات اللامركزية ثم تلتها إندونيسيا في عام 2001 والعراق منذ عام 2005 ومؤخرا جنوب السودان في عام 2011 والصومال في عام 2012، ناهيك عن الدول ذات التقاليد الفيدرالية مثل: الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وسويسرا والأرجنتين وفنزويلا وكندا والبرازيل وأستراليا.

هناك عدة أسباب للامركزية وفقاً لإيبل وييلماز 2002 اذ تحركت البلدان النامية نحو اللامركزية من أجل ضمان الإدارة الفعالة للإدارات والنمو الاقتصادي المحتمل والهرب من مشكلة عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي. في بلدان أمريكا اللاتينية ارتبطت اللامركزية بالإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي تطورت في الثمانينيات نتيجة الضغط السياسي من أجل المزيد من الديمقراطية بعد سنوات طويلة من الدكتاتورية العسكرية والأزمة الاقتصادية وأزمة الديون الخارجية وارتفاع معدل التضخم التي اندلعت في عام 1982- (Claverie( 2011.

هناك سبب آخر لتطبيق اللامركزية،في أمريكا اللاتينية، وهو تقليل حجم الإدارة المركزية وبالتالي خفض عجز الميزانية. ينظر بعض الباحثون إلى اللامركزية كشرط ضروري لاستدامة الدولة، فقد عانت البرازيل والأرجنتين على وجه الخصوص من عدم المساواة بين أقاليمها وإقتصاد غير متجانس. تم تطبيق اللامركزية في دول أخرى لأسباب أيديولوجية، فمثلا في كولومبيا تم تطبيق الإصلاح نحو اللامركزية في التسعينات ليس بسبب التوترات العرقية ولكن بسبب الانقسامات الأيديولوجية. العداء على الرؤية الإيديولوجية والتنظيم السياسي والاقتصادي بين المتمردين الكولومبيين ذو التوجه الماركسي والحكومة المركزية المحافظة كان واحدا من العوامل الهامة للاندفاع نحو اللامركزية.

لعبت الفيدرالية في الولايات المتحدة دوراً هاماً للغاية في إنشائها من قبل المستعمرات الثلاثين ويعتير الطريقة الامثل لمواجهة الاختلاف الإقليمي على المستوى الاقتصادي والدخل وحتى الإيديولوجي. في كندا تاخذ الفيدرالية بعين الاعتبار الاختلافات اللغوية وكذلك في سويسرا اذ مكّن النظام الفيدرالي المجموعات العرقية والدينية من تحقيق رغبتهم في الحصول على حكم ذاتي من خلال تطوير 26 كانتون تجمع كل المجموعات اللغوية والدينية والثقافية المختلفة. في دول أخرى مثل أستراليا تم تسليط الضوء على الفدرالية لتخطيط استخدام الأراضي .

رافقت اللامركزية في الدول ما بعد الشيوعية المسيرة نحو اقتصاد السوق والديمقراطية داخل القطاع العام، أصبح النظام الفيدرالي في روسيا الموروث من الاتحاد السوفييتي أداة للتعامل مع المطالب الانفصالية لأسباب عرقية أو دينية، خصوصا في الشيشان وابخازيا ….

يستجيب عدد من تجارب اللامركزية في إفريقيا إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية من خلال أخذ الخصوصيات القبلية والمحلية بعين الاعتبار وبالتالي يُنظر إلى اللامركزية كأداة لتحويل الصراع وإرساء الأمن والسلام. سنركز أكثر في هذه الدراسة على علاقة اللامركزية والمركزية بالحروب الأهلية لكون سوريا لازات تعيش حربا أهلية طاحنة.

+ علاقة المركزية بالحروب الأهلية؟

عانت العديد من البلدان النامية ولا تزال، من عدم الاستقرار السياسي والتجزئة العرقية: الصراع في رواندا” إلى حرب البوسنة والهرسك ثم حركات “التحرر الكردية” في تركيا والعراق والوصول إلى الصراع الدموي في سوريا، الذي تسبب في أكثر من 300 ألف حالة وفاة.

أشارت إحدى التقديرات أن 58 صراعا عرقيا وقع بين عامي 1945 و 2001 ولم تنجو أي منطقة في العالم من الصراع، حتى البلدان المتقدمة شملتها هذه الحروب مثل إسبانيا (الصراع بين الحكومة المركزية وإيتا) وكما عاشت بريطانيا العظمى سنوات طويلة من الصراع بينها وبين أيرلندا الشمالية.
في البلدان النامية ،كانت الصراعات أكثر حدة وعنفا وأكثرها إنتشارا، كمثال في نيجيريا وسريلانكا والعراق والصومال وتركيا واندونيسيا، وفقا لدراسة MAR (الأقلية المعرضة للخطر) فإن أكثر من 90 ٪ من هذه الصراعات شهدتها البلدان النامية بين عامي 1945 و 2001 ،تسببت هذه الصراعات في مقتل 11 مليون شخص وخلق 12 مليون لاجئ. ولحل هذه المشكلة تبنت العديد من الحكومات “الحكم الذاتي المحلي” على أمل أن يؤدي تطبيق اللامركزية إلى حل النزاعات وتحقيق الطريق إلى السلام. في البلدان المتقدمة ،كانت اللامركزية عاملاً رئيسياً في الحفاظ على وحدة البلاد مثل سويسرا وبلجيكا وكندا وإسبانيا وكذلك الهند وروسيا والمكسيك…
فما هي تأثير اللامركزية على الحرب الأهلية؟ وخصوصا ان سوريا لا تزال عائمة في مستنقع حرب أهلية طويلة المدى وهناك من يرى أن الحسم العسكري للنظام السوري لن ينهي الاضطرابات في البلد بل سوريا ستشهد سنوات اخرى من اللا إستقرار.

يرى الكثير من الخبراء أن اللامركزية تحسن نوعية الحكم وتعزز المشاركة السياسية من خلال تقريب الحكومة من المواطنين، إذ يؤدي اللامركزية إلى تقريب بين السياسات العامة و التفصيلات المحلية (أوتس 1972). يؤكد الجيل الأول من الباحثين والمختصين في المجال على التأثير الإيجابي اللامركزي على الحروب الأهلية، لكونها أداة لإدارة النزاعات العرقية: (ليجبهارت 1977 ، هكتور 2000 ، هوججي 2004 لوستيك، وإيديلون 2004 ، سوبيرو 2000. تزداد اللامركزية من رفاهية الأقليات في الحالة التي تكون فيها تفصيلاتها يختلف عن المجموعات الأخرى في البلاد وبالتالي فإن دوافع التمرد و الاحتجاجات تتضاءل (العلاقة السلبية بين زيادة الرفاهية والتمرد). لذلك يمكن للأقليات أن تعيش ثقافتها وقيمها الخاصة بعيدا عن ضغط الحكومة المركزية و بالتالي يعطي الأقليات شعورا بالأمن وبالتالي يمكن لمصادر التوتر أن تتضاءل. بالإضافة إلى ذلك، تسمح اللامركزية للمجموعات العرقية بأن تزيد اهتمامهم الفردي والجماعي منذ الحكومة المحلية.

يسمح اللامركزية في مجتمع متعدد الأعراق، بتحكم الأقلية العرقية أو الأقليات في سياساتها الخاصة وفي الوقت نفسه يتم الحفاظ على وحدة البلاد، بل وتساعد على تجميد الهوية العرقية مع مرور الوقت Hargrave ، Kymicka 1998. فيما بالنسبة باحثين آخرين BAKKE و WIBBELS (2006)، فإن اللامركزية يعتبر حلا وسطا بين الجماعات العرقية التي تسعى إلى الاستقلال والحكومة المركزية ذلك يسعى للحفاظ على الوحدة الوطنية.

وفقا للمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي -GIZ- فإن اللامركزية تلعب دورا هاما في تخفيف من النزاعات: بالمقارنة مع الحكومة المركزية ، تكون الحكومات المحلية أكثر فعالية وبالتالي فإنها تقدم الخدمات العامة بشكل أفضل ويحسن ويزيد الرضا العام لدى المواطنين ونتيجة لذلك يتعزز شرعية النظام السياسي ويساهم في استقرار النزاعات وتسويتها بالطرق السلمية. بالإضافة إلى ذلك، فالسلطات المحلية أكثر دراية بأسباب النزاعات المحلية ويمكنهم ذلك من تحليل الأزمات بشكل أدق و إتخاذ إجراءات أكثر فعالية. تمكن اللامركزية من إعطاء الأقليات حصة في الحكومات المحلية و يحق لهم في المشاركة السياسية بطريقة مباشرة والحفاظ على هويتهم المحلية، بالتالي يمكن تجنب طلب الانفصال. بالنسبة GIZ (2006) اللامركزية يمكن أن تساهم في إعادة بناء الدول الفاشلة لكون الحكومة المحلية أقرب من السكان المحليين وبالتالي يمكن لها أن تطبق السياسات بشكل أفضل.

بالنسبة لنانسي برميو 2002، تظهر تجربة العديد من البلدان التأثير الإيجابي على اللامركزية في النزاعات، على سبيل المثال، في إسبانيا وبلجيكا، مكنت اللامركزية من نمو الهوية الإقليمية والحد من المطالب الانفصالية. فمن الناحية التاريخية، عندما تمنح الحكومة المركزية مزيدًا من الاستقلالية للمنطقة التي تتواجد فيها حالات التمرد، فإنها عادة ما تؤدي إلى السلام. فإذا أخذنا مثال الهند مع التاميل حيث كانت الحكومة المركزية خائفة من منح الحكم الذاتي التاميل لأنها كانت خائفه من ان يؤدي ذلك إلى الاستقلال، لكن في نهاية المطاف كانت التجربة. هناك أيضا مثال السيخ في البنجابية، اذ تمكنت تطبيق اللامركزية من حل مشاكلهم ولم تعد النخب المحلية تطالب بالاستقلال.

في كثير من الأحيان رفض الفيدرالية وليس الفيدرالية نفسها هي يؤدي الى تصاعد وتيرة العنف، مثلا بدأ العنف في عام 1976 في سري لانكا عندما أدرك تامول أن عملية الفيدرالية عقيمة وينطبق اللامر نفسه على جنوب السودان أيضا.

بالنسبة لباك ويلز 2006 قد تلعب النفقات اللامركزية دوراً مهم في عملية السلام بإعطاء أداة الإنفاق للحكومات المحلية المناطق الأكثر إلماما بتفضيلات المواطنين لأنها أقرب وبالتالي يمكن أن تقلل من الانفصال.

يتبع

باقر الكردو
باحث في الاقتصاد السياسي

شاهد أيضاً

في المسألة الدستورية

في المسألة الدستورية رياض درار في خارطة الطريق لمجلس سوريا الديمقراطية ورد حول الدستور مايلي: …