أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / جلال زنگابادي شاعر التمرّد الكُردستاني

جلال زنگابادي شاعر التمرّد الكُردستاني

جلال زنگابادي
شاعر التمرّد الكُردستاني

رفعت سلّام

I

حينما وصلتني كراسة أشعاره تحمل إهداءه الحميم لي ، مع الروائي الصديق صنع الله إبراهيم ، القادم توّاً من كردستان العراق ، لم يخطر ببالي أنني- بعد ثلاثة شهور- سأكون هناك ، أفتش في الوجوه عنه إلى أن أعثر عليه. لكني – من الوهلة الأولى للقراءة – أدركت أنه ينتمي إلى الشعراء الأكراد الذين يكتبون بالعربية مباشرةً ، وأن جذوره الثقافية العميقة تضرب في أنحاء التراث العربي ، الشعري والفلسفي والديني والصوفي ، لتتخطاه إلى التراثات المحيطة ، الفارسية والتركية والإنسانية عامة.
القاعة مكتظة بالوجوه التي تحضر افتتاح معرض الفنون التشكيلية بمسرح (أربيل) ، عاصمة إقليم كردستان العراق. وبعد الافتتاح ، الأمسية الشعرية (قلتُ لنفسي : لابد أنه سيكون موجوداً من أجل الأمسية)…صحفيون وتليفزيون وكتاب وجمهور ومسئولون وضيوف عرب أتوا من عواصمهم وعواصم الغرب الأوربي . ولغتان تسودان القاعة : العربية والكردية التي لاأعرف منها كلمةً واحدة ؛ فكيف يمكن العثور على وجهٍ لم تلتق به أبدًا ، اعتمادًا على ملامح غائمة في الذاكرة من رسم له لا تدري مدى دقته ؟
سألتُ أحد الصحفيين الأكراد عنه ، فأحالني إلى شاعر كردي أنيق ، أشار لي إلى شخص آخر غير أنيق . وجه عادي ذو نظارة طبية ، يرتدي ملابس عادية لاتكترث بالمناسبة الرسمية (مهرجان مئويّة الجواهري في 2001) وكبار مسئولي (الدولة) الوليدة . لملمت من الذاكرة – بسرعة – ملامح الوجه الغائم ، وتعرّفت عليه قبل أن أمد له يدي ، وأُعرّفه بنفسي . أدار لي أذنه الأخرى ليلتقط الحديث ؛ فتذكرت معلومة فقدانه السمع من أذنه اليمنَى أثناء احتراب ميليشيات الأحزاب الكرديّة ، علماً أن العسكر العراقي أيضاً قد فجّر داره في عمليّات الأنفال !
وجه في الخمسين من العمر ، يكشف عن طيبة إنسانية جليّة . سألته – وسط الصخب – إنْ كان سيلقي شعره في الأمسية المشتركة بين الضيوف العرب والأكراد؛ فقال إن الأمسية ستخصص أساساً للضيوف ، وربما يشارك فيها بعض الشعراء الأكراد الآخرون – لا هو- إن سمح الوقت.
تواصلت الأحاديث المتقاطعة المتقطعة بيننا ، في اللقاءات العابرة فيما بين فقرات البرنامج المشحون . فهمت أنه ليس من المقربين إلى السلطات الثقافية (شأن المبدعين الحقيقيين دائمًا) وأنه يقيم في إحدى ضواحي المدينة / العاصمة ، وأن النشر متاح إن توفرت الأموال (التي ترفض أن تتوفر لديه) !
صوت هادئ ينبئ عن سكينة روحية تناقض قصائده ، بلا نبرة احتجاج أو سخط (تلك التي تسود دائمًا أصوات الشعراء) ؛ كأنه قام بتصفية حساباته السابقة واللاحقة مع العالم ومع نفسه ، وبلغ نقطة الهدنة الأخيرة.

II

عندما تلقيت كراسة أشعاره الأولى ، تبيّن لي أنها مجمعةٌ من المجلات التي نشرت بها ، مع الحد الأدنى الضروري من الإخراج الفني الذي يسمح بتصويرها (في نسخ محدودة) كعمل مستقل.
في قراءتي الأولى تبينت روح التمرد العارمة التي تسود أشعاره ، وتكاد تطيح حتى بتقاليد الشعر، لدى من لا يعرفون بثراء هذه التقاليد وتعدديتها ، وإمكانياتها المفتوحة على المصراعين .
بدت لي الأشعار تجربة شعرية (عربية) أصيلة وفارقة ، تواصل وتضرب بسهم في معركة التجديد الشعري الناشبة منذ السبعينيات العربية في كافة الأقطار، بلا معيار أو نموذج سوى مبدأ (التجديد) المستند إلى استيعاب عميق للتقاليد الشعرية والثقافية ، لا العربية فحسب ، بل خارج العربية أيضاً. فكيف لم أسمع به من قبل ، وخاصةً أنني كنت على اتصال ومعرفة وثيقة بطليعة شعراء السبعينيات في العراق ، منذ ذهبت إليها للمرة الأولى عام 1985؟!
حالة شعرية فريدة ، وباذخة ، لا تحصر أفقها في التقاليد الشعرية العربية المكرَّسة ، المسورة بالقوانين وقوائم الممنوعات ، بل تحرر نفسها وتحررنا معها باكتشافها إمكانية الحرية الإبداعية ، بل ضرورتها ؛ لا من أجل القصيدة فحسب ، بل من أجل تحرير الخيال والوعي الإنسانيين . لا بل هي قصيدة مضادة ، ضد القصيدة ذات القوانين والمواصفات ، سابقة التجهيز، التي تنتمي إلى إعادة الإنتاج ، لا الإبداع . أجلْ قصيدة مضادة للقصيدة والأفكار السائدة ، تخترع شعريتها اختراعًا بلا مرجعية أو نموذج سابق أو حالي ، بالاستناد إلى حصاد الشعرية العربية والعالمية في أفقها المفتوح : رامبو والسهروردي والحلاج ونيرودا وأدونيس وحكماء الصين القدامى وشعراء فارس العشاق المتصوفون وامرؤ القيس والخوارج والشعراء الصعاليك والمخطوطات البائدة وصرخات الألم والمساءلة الجارحة والأسئلة العصيّة بلا إجابة ، لكنها – في نفس الوقت – ليست تلك القصيدة العمومية المعلقة في فضاء المطلق الشعري ، بلا جغرافيا وتاريخ ؛ إنّها قصيدة شاعر القرن العشرين ، الذي شهد مجازر هتلر وستالين وطغاة لم تعرفهم الكوابيس الإنسانية من قبل ، فيما شهد أيضًا – بالمقابل – وجوهاً نبيةً عرفت كيف ترتقي بأنبل ما في الإنسانية من عطاء وطاقة.
على مستوى آخر، هي قصيدة عربية / عراقية / كردية في آن ، لا بفعل اللغة المكتوبة بها فحسب (واللغة ليست محض أبجدية) ؛ بل – أكثر- بفعل الوعي والتجربة الشعريتين . وعي مركَّب بالجغرافيا والتاريخ الخصوصيين للشاعر وجماعته ، غير المفصولة عن محيطها العراقي الأوَّلي ، وعن محيطها العربي العام ، بثقافته وأصوله المعرفية وتراثه الحميم ، وأسرار بلاغته وشعريته الطليعية ، الحداثية. تحمل بعض توجهات الشعر الطليعي في سبعينيات العراق (خزعل الماجدي ، زاهر الجيزاني وكمال سبتي) في تحرير القصيدة من المواضعات المفروضة الخارجية ، واكتشاف تعدد المستويات العميقة في الذات الإنسانية ، باختلاطها وتراوحها بين الوعي واللاوعي ، بين الفانتازيا والواقع والحلم والكابوس ، وباقتحام تلك المناطق المجهولة التي لم يطأها قلم شاعر، واكتشاف بنية شعرية مفتوحة على المصراعين لكل النزوات واستدعاءات اللاوعي والذاكرة والرموز والأصوات والخزعبلات الجارحة الغامضة.
لكنها – من ناحية أخرى- تحمل ، على مستوى الوعي ، ميراث الألم الكردي ، كخيط دم سرّي يمتد بامتداد الوجود الآني . ألم سري لا تكاد تبوح به القصائد أحياناً ، لتصرخ به أحياناً أخرى تلك الصرخة التي تغطى فضاء الكون والزمن . ولا مباشرة أو دعائية ، ولا اختصار لآلام العالم في الذات الوطنية ، ولا نزوع إلى التعويض النفسي بالمبالغة الوطنية العنصرية في مقابل الآخرين (العرب والعالم) مثلما يفعل بعض كبار الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش ، مثلاً)
هو الألم الإنساني الذي لا يتباهى بذاته أو يستعرضها ، ولا يبحث عن ثمن له لدى الآخرين ، ولا يستخدمه وسيلة مقايضة أو ابتزاز. ألم صارخ بالرغبة في الخلاص والانعتاق ، يضع نفسه ضمن آلام العالم – لا فوقها – في مواجهة الطغاة والبرابرة.
إنها قصيدة قلقة مقلقة ، لا تستكين لركود العالم ، ولا تترك للروح فرصةً – أو شبه فرصة – للاسترخاء الذهني والخيالي ، بل تشعل الحرائق في الروح ، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة الجارحة التي أزاحها العجز عن الإجابة إلى النسيان ، دون كلل ، بلا أوهام رومانتيكية ، ولا رطانة إنشائية كاسدة ، ولا نبوّة منتحَلة كاذبة . قصيدة تعيد للقصيدة اعتبارها ، باعتبارها قلق الروح والمساءلة.

شاهد أيضاً

Die Reise ” الرحلة”

Die Reise ” الرحلة”       نص: عبد الواحد السويح ترجمة إلى الألمانية:فرانشيسكا ريتشنسكي …