أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / دون كيخوته وقراءة الطالع

دون كيخوته وقراءة الطالع

دون كيخوته وقراءة الطالع
هاتف جنابي

لعل من بين أكثر الأسرار المتعلقة بالأعمال الأدبية هي قضية خلود هذا العمل واندثار ذاك.
كتب يقرأها المرء ويبقى يتذكرها، شأنها شأن الشعر تقريبا، رغم ما للشعر من أحكام وأسرار مضافة. لا يعرف القارىء النبه، حتى النهاية، ما الذي يقف فعلا وراء مفردة الخلود الأدبي، خارج بديهية رشاقة الأسلوب وسحر الكلمة وحيوية الموضوع. هناك أعمال تمخر عباب الزمن فتعلق بها بعضُ رموز ورؤى وتطلعات أجيال.
لستُ ممن يفضّل العودة إلى الكتب التي سبق وأن قرأها، لأسباب تعود إلى طبيعتي الميّالة إلى التجديد، الكارهة للتكرار، أو لربما لوجود إحساس داخلي بشحة الزمن. لكن وبما أن لكل قاعدة استثناء، ينبغي أن أحصر تلكم الاستثناءات بالشعر والكتب المقدسة والميثولوجيا، والقواميس وبعض كتب البحث العلمي، والسيرة الذاتية، وبعض المسرحيات، وقليل من الروايات المفصلية.
لعل”دون كيخوته” للكاتب الإسباني ثربانتس من بين أكثرها متعة وأهمية. كانت حياتي وحياة جيلي تتجاذبها أحلام وطموحات ورؤى ومساع ٍ وسيعة غير منجزة، وإحباطات، من بينها: شعور بالخسران والاستلاب وفقدان العدالة وتزييف الواقع، يقابله إحساس بزيف المجتمع والفئات الاجتماعية العليا المتحكمة بمصيره وبمسيرته عنوةً، إضافة إلى جملة من الأحلام التي استحالتْ هباء، وفيما بعد أصبحت نهبا للندم.
لقد جذبتني غرائبية وسحرية هذا العمل وسعة أفقه، فأخذتُ أعود إلى هذه الرواية لقراءة بعض فصولها على الأقل، بغرض المتعة واستذكار الماضي، خاصة بعد الحصول على ترجمة عبد الرحمن بدوي المتميزة لها. حتى أنني، بعد قراءتي الثانية للرواية، كتبت في تموز 1975 قصيدة” دون كيخوته في الحانة”بإيقاع كان يبدو لي متماهيا وصولات دون كيخوته، ألحقتها بعد ربع قرن بقصيدة أخرى بعنوان” متاهات دون كيخوته”، أدركت بعدها، أنها لم تبتعد كثيرا عن إيقاع الأولى، ولا أدري سبب هذا التشابه حتى الآن!
انتقد ثربانتس بسخرية لاذعة وتهكم مرير ونباهة يُحسد عليها، الناس في عصره، خصوصا فئة النبلاء، والتنطع بالبطولات الزائفة، كما سخر من المؤسسة الكنسية ورجالاتها المهيمنين على الحياة العامة، وانتقد فظاعة أساليبهم المتسترة بالدين، المتمثلة في محاكم التفتيش آنذاك، كما سخر من الوسط الأدبي الحافل بالحسد والغيرة والزيف والادعاء والتملق، ويا ما أشبه اليوم بالأمس.
كان “دون كيخوته” مرآتي ودرعي وسيفي الذي لم أتمكن من إشهاره خارج الكلمة. رغم أن الرواية كتبت في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، ورغم انتمائها إلى أوروبا ورغم ما فيها من أفكار وآراء جاهزة غير ودية عن عالمنا العربي-الإسلامي، إلا أنني كنتُ أرى عالم دون كيخوته ومادته الروائية مماثلة لعالمي العراقي والعربي بتشابكاته العشائرية ومظاهره السطحية وتناقضاته العجيبة، بقساوته وكبته وفساده، ودجل وتنطّع المتنفذين فيه والمتسلطين عليه، وبعقم الحياة الثقافية، وسطحية وغفلة الوسط الأدبي.
وصفها مترجمها الأهم إلى العربية، عبد الرحمن بدوي، قائلا: “دون كيخوته رمز النبالة الساعية في خير الإنسانية، ولكن وسائلها العاجزة لا تستطيع تحقيق أمانيها، رمز للمثل الأعلى الإنساني، الذي دائما يصطدم بالواقع الكالح فينتهي بالإخفاق”. كان دون كيخوته رديف المثالية والحرية والحلم بإصلاح العالم، في حين مثّل رفيقه في مغامراته” سنشو” صفات التردد وقلة الإقدام والجبن وبراغماتية تتشبث بالحياة مهما كانت وبمعطيات الواقع كيفما جاءت. في شخصية وممارسات دون كيخوته انمحت المسافة بين الوهم والحقيقة، وبين العقل والجنون. لكن عالم دون كيخوته ليس طبخة جاهزة ولا بريئة، إنه نتاج مسلسل من الأوهام والأحداث التي قرأها في الكتب أوعاشها أو سمعها، إنه نتاج عصر وعالم حافلين بالمتناقضات، نتاج مجتمع تعارض مؤسساته عملية الإصلاح، كما وأنه نتاج وهم فردي باجتراح المعجزات من جانب، والتأثير(بواسطة التهكم والسخرية والتعرية) على واقع فاسد طمعا بتغييره أو إصلاحه من جانب آخر. يصف ثربانتس بطله بأنه “كان غارقا في قراءاته إلى حد أنه كان في الليل يقرأ من المساء إلى الصباح، وفي النهار من الصباح إلى المساء، ولقلة نومه وكثرة قراءاته جف دماغه حتى مسّه طيفُ جِنّة، وامتلأ خياله بكل ما قرأه في هذه الكتب… وامتلأ وهمه يقينا بأن هذا المخزن الهائل من التهاويل والأحلام هو الحقيقة بعينها”. كان من بين أهداف دون كيخوته إذن هو أن يخدم وطنه فارسا، وأن يخلد ذكراه بذلك. لهذا فإن اختلاط الوهم بالحقيقة لا يعني انعدام البواعث والأهداف الأساسية لمغامراته، حتى لو اختزلناها فقط في جموح الخيال والنوايا الخيرة. أحد دروس دون كيخوته يمكن أن نقرأه على أنه يتمثل في إقصاء فكرة المستحيل واللايقينية، لأن كل شيء بنظره قابل لأن يتحقق. والأمر الثاني أن كل فرد هو مهندس ذاته وممثل دورها في مسرح الحياة. ألم يقرأ دون كيخوته الأحداث ويفسرها كما ارتأى؟ ألم يقدم نفسه على أنه فارس الإيمان مقابل عالم بعيد عنه؟ ألم يكن دون كيخوته سليل ميثولوجيا الذات البشرية التي ذاقت بالواقع ذرعا فقرأت انعكاسه وصداه في المخيلة وقامت فيما بعد بجرأة لا متناهية بالسعي لتفكيكه والإطاحة به؟ إذن فجنون دون كيخوته لا ينبع فقط من الكتب التي قرأها على حد تعبير الكاتب (كارلوس فوينتس)، إنما لإيمانه كفارس ممسوس بالدعوة لنشر العدالة، وأن العدالة ممكنة.
دون كيخوته لم تنحصر في نطاقها الأدبي وحسب، بل تعدته إلى عوالم أرحب من الكلمة ذاتها. ربما عبّرت عن ذلك، تخطيطات ورسوم كل من (سلفادور دالي) والروسي(سافّه برودزكي) فجاءت من أجمل وأعمق وأكثر الأعمال الفنية على الإطلاق، استيحاءا وتمثيلا، لعوالم دون كيخوته دلامَنْتشا.

دون كيخوته في الحانة

العالمُ يفتح أذرعه، تُرخي قبْضَتَها
البواباتُ، الساحاتُ الهرمة
ملأى بالهمس المتسلل خلف الحانة
الحانةُ تمسح وجهَ الفارس بالضحكات النهمة
(لا موضعَ أسمى للفرسان من الحانة)
للموت رحيقُ العشقِ الناسُ
تضجّ و (لوسندةُ)،
تقضم في السر أناملها/ يتطارح معْ لوسندةَ
في الحلم= اليقظة
غيمٌ في العين، طريقٌ دُهنتْ بالحلم الأجرد،
جبلٌ أبنوسيّ، وامرأةٌ عارية تتثاءب في الوادي
القريةُ تَصْفَرّ وتحمر – تُملأ شيئا شيئا بالجند.

– خُذْ تذكرةً لحروب الوهم اليومي،
“موتٌ في الورد”.
مجنون يزحف صوبَ القمة عريان
يا مجنون، يا مجنون
(لا دائن أو مديون، اللهُ هو السائل)!
الحانةُ موحشة إلا من جثث الأشباح القتلى!!
والفارسُ مخمور هذي اللحظة تقضمه الوحشة
تنث الدرع على خديهِ
قطراتِ الحيرة والحرمان
الغابةُ غامضةٌ- لا غير سوى الريح
لكن الكأس وفي لمح البصر
انْدلقتْ فوق الدرع ِ
والرمح كسيح
خذْ بسملةَ باسم الماضي
خُذْ تذكرةً للفجر انعتقِ اللحظةَ من زيف اللحظة
القمةُ آهلةٌ بالسحب المشبوهة والقطعان البشرية
يا دون كيخوت! حربُ الورد تطول
والرغبةُ مقدارُ الهمةِ في القلب وفي المسعى
المُنْجَزُ تاريخُ الربّ ولا غير
لا روح بلا همّ ٍ
لا روحَ بلا وهم
تزحف تحت القمة عريانا
يا هذا، هل تسمعني يا سمعي
خذْ كأسا أخرى وانتظر الآتي
خلف صفير الريح..

* لوسندة: معبودة دون كيخوته،
و” حرب الورد”،
و” موت الورد” من أناشيد الأزتيك.

كركوك – بغداد
4/7/1975

متاهات دون كيخوته

تراءى لي فيما يُشبه أنّي بين الموتى والأحياء:
أنّي أشرب من نخب الذكرى، أرمي سهمَ كتابٍ أقرأه منبهرا
يرتد مُدَمّى برضاب الوهم،
وهمهمة الأشياء الممنوحة للغيب
أني أركض قدّامَ الصحراء خليعا، أمشي فوق الماء
أهزّ بسيف مثلوم ٍ يبدو للرائي
شبحا فتاكا تدفعه آلهةُ الحرب تجاهَ مصير محتوم
يُضْحكني هذا المنظر
لكنّ الدهشةَ تغلبني
ألبسُ بُرْدا يتراءى لي درعا عملاقة
أرفع سهما صدئا مثل حِجَى الناس،
جَلتْهُ مرايا الزمن الأفّاك
باسم الحاجة والحلم المأسور بمرعى الشك
باسم غوايةِ أني شيخُ العيّارين، ومُفتي الهِمَم ِ،
باسْم ِ نداءٍ يشكو من صدأ الأيام وقهقهةِ العدم
باسم كتاب العمر المسفوح بلا جدوى
وسراب الحبّ
باسم نثار الروح
خوفا من عجز الصدفة
يتلبّسني وهمُ النور، وصوتُ الحق الضائع
أشعر أن الأشياء
تتدحرج قدامي والطرقات
تنفلقُ
يأتيني صوتُ القرية مرتعشا
والوديان تهيب بسيفي المسلول

لم يبق أمامي إلا أن أرحلَ قربانا
للصوت الآتي من مملكة الحق
فتحتُ كتابَ الرؤيا
فصار الحرف الأول يسحبني من سيفي
فظننتُ بأني أدفعها أبعد من مأساتي.

وارسو
10/07/2000

_______________________________
* من محاولاتي في الربط بين الشعر والنثر.

شاهد أيضاً

قلبي صندوق موسيقا

قلبي صندوق موسيقا الغزلان التي نامت بلاصحو لم تكن تلعب الاستغماية مع السفح ولم يكن …