أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / حين يسقط المثقف

حين يسقط المثقف

حين يسقط المثقف

رياض درار

المثقف ليس هو من يهتم بتحصيل المعرفة وانتاجها، وليس من تتعاظم ألقابه العلمية، وليس من يولد الأفكارصياغة أو نقدا لها وهذه أعلى مستويات المثقف، لكن المثقف هو من يحاول قراءة الظواهر وصوغ نسق من المفاهيم يدعو إليها ويتبناها عمليا، لأن الداعي من برجه العاجي لايستجاب له، فهو كما تعلّم كيف يفكر عليه أن يظهر للمتابعين كيف يتصرف.

وفي هذه الحالة وجدنا السقوط المدوي لمثقفين كنا نعتد بأفكارهم ونتابع إصداراتهم ولكنهم في أول فرصة للممارسة العملية سقطوا؛ فمنهم من باع ثقافته لإرضاء طموحه الشخصي، ومنهم من ارتهن لتاجر سياسي واكتفى من الثقافة بتعويم هذا التاجر، ومنهم من ساير ثقافة كان يناهضها جاعلا الواقعية السياسية تعليلا للمشاركة وليس للمنافسة والتجاوز لهذا الخصم الثقافي والايديولوجي.

لقد قسم بعض الباحثين المثقف إلى المتقف الموالي للسلطات ولاء مطلقا، والموالي الناقد للسلطة، والمثقف الرافض والهروبي والاعتذاري. وربما هناك تقسيمات لانهاية لها لكن المثقف في الثورة السورية صار محللا للحدث ومروجا للمكاسب المعلنة دون غوص في آثارها وتأسلم حين وجد المسار يتأسلم؛ وانحاز حين وجد الجمهور أكثر؛ وحشد وراء الصورة ولم يعط للمضامين حسابا لأنه كان يستعجل النصر على السلطة فبرر ونظّر وانحاز! فهذا لم يعد مثقفا لأنه بقي على هامش الحدث تابعا له، وابتعد عن كونه مثقفا عضويا كما كان يدعي حين كان يروج لغرامشي ودفاتر السجن التي تدعوه لا أن يكون مجرد شاهد على الأحداث بل أن يساهم في صنعها.

ولأنه لم يع وعيه وأهمية ذلك في صنع الحدث، فقد اكتفى بتقدير أن الثورة إنما قامت بسبب الظلم والفقر، فتوقف هدفه عند تغيير السلطة دون التركيز على التأخر الاجتماعي والتركيب النفسي للأفراد وأثر ذلك في عودة الأوضاع إلى عهد الاستبداد والفساد باسم الثورة وهو ماحصل في مجريات الحدث السوري؛ وهو ماسعى لتبريره حضرة المثقف الثوري فأدى إلى سقوطه وسقوط جيل من المثقفين كنا نعول على منجزاتهم الفكرية وأبنيتهم المعرفية! لكنها الثورات كاشفة وقد كشفت زيف ماكانوا يبنون من قصور من رمال.

لقد قدم المتحدثون عن الثقافة والمثقفين صورة للمثقف الذي لاتكمتمل ثقافته إلا حين يمارس حريته كاملة، هذه الحرية التي لاتكتسب معناها إلا حين يعتمد قيما انسانية تقوم على شجاعة ضرورية لكي يواجه ضروب الاستنكار والرفض على صعيد السلطات والملاحقة بما فيها القضائية. وعلى صعيد الجماهير التي تسطحت أدمغتها بوعي الماضي أو أدلجة الحاضر وأصبحت تحارب كل جديد مستنكر لديها لطول ماعهدت من أوهام، على حد قول المتنبي ومن يك ذا فم مر مريض .. يجد مرا به الماء الزلالا.

لقد كشفت الثورة “وهذا مصطلح الدكتور أحمد برقاوي” عن صورة المثقف الشبيح وهو من يوظف ثقافته دفاعاً عن النظام الدكتاتوري و يجرد لغته السوقية الشتّامة ضد المثقف النبيل المنتمي إلى ثورة الحرية، حين ينتصب المثقف النبيل قوة أخلاقية معلنة الإنتماء وفخورة بانتمائها فيشعر المثقف الشبيح بصغاره، فيخرج هذا الصغار بنفسية القاتل الممتلئة حقدا وضغينة.

وكشقت المثقف الطائفي الذي اكتشف انتماءه بعد خروج الشعب على النظام معلنا خيانته لدور المثقف الذي يقوم على القيم الانسانية الحرة من كل قيد أو انتماء. وبالتواصل مع الغايات المصلحية فقد طغى دور المثقف السياسي على صنعة الثقافة وتعمم دور المثقف الأجير الذي يبيع بضاعة الثقافة لطغاة الثورة الجدد الذين كانوا بحاجة تلميع بإضافة صور المثقفين إلى جانبهم في الجلسات والمؤتمرات ..كانت ثورة ومازالت لأنها كشفت الزيف وإذا فشلت فبسبب هذا الزيف والفساد ولكنها طهرت نفسها من درن الادعاءات وحين تعود بوسائل أخرى وأدوات لاتعتمد هذه المساطر ستكون أنقى وأكثر فاعلية في الأذهان والأعيان.

شاهد أيضاً

من ذاكرتي في اربعينية PKK

من ذاكرتي في اربعينية PKK كان لذكر أسماء مظلوم دوغان وخيري دورميش وكمال بير في …