أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / عمر يتسرب عبر ثقوب الناي

عمر يتسرب عبر ثقوب الناي

عمر يتسرب عبر ثقوب الناي

وائل حوراني

– 1 –
في مساء كل يوم … كنا نفرض طوقا حول الجدة وعيوننا معلقة في كلمات نترقبها لتفرض السكون والهدوء والسعادة في أنفسنا فيتراقص السراج فرحا وطربا والكلمات تنساب عبر حنجرتها التي تصيب قلوبنا قبل آذاننا المتلهفة لسماع حكاية تتقنها ..” صلوا على النبي .. زيدوالنبي صلاة … ” وابتسامتها أبدا ما فارقت محياها حتى في لحظات موتها التي حفرت في ذاكرتنا وما زالت .. “كان يا ما كان في سالف العصر والأوان….” بهذه المقدمة التي سكنتنا طوال سني الطفولة كانت تميت الصخب الطفولي في أعماقنا ونحلق معها في عالم برعت في رسمه.. وكم تساءلنا وسألناها عن مصدر تلك الينابيع الكلامية بعذوبتها وألحانها التي حفظناها ولا زلنا نرددها لأطفالنا ” يا طيور طايرة .. يا وحوش سايرة .. سلمي عـ..مي وبوي وقولي (جبينه) سارحة .. ترعى غنم .. تقطع حطب .. وتقيل تحت الدالية ” .. كم تأثرنا وتعاطفنا مع تلك الــ ( جبينه ) التي خطفت طفلة من بين أحضان الأم وحنان الأب لتستغل في مكان آخر من قبل أناس حقدنا عليهم وتمنينا أن نمد لها يد المساعدة لنمسح دمعة كانت تنساب على خدها الأبيض الذي جاء اسمها من لونه .. كم غفونا ونحن نحتضن بعضنا في حلقة حول الجدة خوفا من أن نكون مكان صاحبة الوجه الأبيض أثناء النوم ..
الليلة زارتني جدتي وهمست لي لا تخف .. ( جبينة ) ستعود يوما ما لحضن يحتويها ..
استيقظت ولساني يلهج بالدعاء لجدتي وصاحبة الوجه الأبيض .

– 2 –
كنا نجتمع عصرا عند تلك الصخرة العملاقة التي تقبع في منتصف حارة تتوسط جبال عمَان لتشكل جبلا لأحلامنا الكبيرة ومرتعا لشقاوة ما زالت ملامحها صدىً يتردد كلما لاح طيف ماض في زوايا ذاكرة ما عادت كسابق عهدها … كرتنا المصنوعة من جوارب تغلف بالون متوسط الحجم تحتاج لترميم دائم ومزيدا من الجوارب .. الرمال البيضاء متوفرة لتخطيط الملعب فأبو حسن عنده ورشة لتوسعة بيته من الداخل … الصخرة تشكل عارضة للمرمى وحذائي يشكل الأخرى … حلول الظلام صافرة النهاية التي تجبرنا على إنهاء المباراة … استيقظ على صوت يسأل عن حذائي وجوربي من أجل الذهاب للمدرسة .. صوت أخي الصغير مقدمة لتقريع و صفعتين تشكل إفطارا في صبيحة يوم جديد .

– 3 –
كل شيء معد منذ أمس …
أشعر بسعادة غامرة وأنا أخرج رأسي من نافذة الحافلة فيرتطم وجهي برياح تحمل معها رائحة “أريحا” وبيت الجدة وجدول ماء يشكل بالنسبة لنا نهر عظيم ..
الطريق الجبلي الممتد من عمَان إلى الأغوار يتلوى كثعبان يقبض على جسد الحافلة فتئن عجلاتها مع كل منحنى تصادفه .. ” أنا من العقبة يا عيوني من فوق المركب شوفوني…. ” أغنية تنساب من مكان ما لا أتبينه .. ضجيج الموتور يختلط برائحة الديزل فيشعل الصداع والدوار في رأسي الصغير .. “خذ هذا الكيس وافرغ دوارك فيه…” صوت ” الكنترول ” يطغى على ما حوله .. الوديان تبتلع النظرات وكيس يحمل معه جزء من أحشائي ..
لقد وصلنا .. جاء صوت أبي ليوقظني من غفوة تتكرر كلما ركبت الحافلة … أرجلي الصغيرة تسابق عيناي في دروب “عقبة جبر” وبيوتها الطينية التي تحمل معها عبق القش وكم كبير من ذكريات الطفولة والرحيل الأول … دموع الجدة تختلط بنحيب مكتوم ونساء يتشحن بالسواد يملأن باحة البيت .. ألقيت بجسدي في أحضان الجدة .. قبلت يدها ولم أجرؤ على سؤالها عما يحدث عندما شاهدت دمعة تنساب بحرقة على خد أبي.

-4-
….الجبل الذي ابتلعت أحد كهوفه ابن عمي اليافع ورفاقه عندما انهار سقفه ليحيل “عقبة جبر” ودروبها مرتعا لأحزان امتدت طيلة فترة زيارتنا لأريحا ما زال شامخا وشاهدا وما زال يبتلع قرص الشمس كل مساء … كم تمنيت أن أكون هناك لألمس ذاك الوهج عندما يعانق قمته .. جدول الماء الذي يشق ” عقبة جبر ” ويمر بمحاذاة المسجد وقبته الخضراء ليصب في البحر الميت كان ملعبنا الدائم .. نلقي بأنفسنا في أحضانه الدافئة السريعة فيحملنا مسرعا لبوابة المسجد ومع صراخنا ينتشلنا الرجال لنعيد الكرة من جديد… “من أين يأتي ؟؟” سؤال تردد دوما في مخيلة كبيرة … ربما ينبع من قرص الشمس عندما يحتضنها ذاك الجبل بقوة فتبكي كما بكت النسوة وجدتي يوم ابتلع سامي ورفاقه ….

– 5 –
الرتابة تجثم على كل الأشياء حولي والحافلة تغادر المجمع الرئيسي .. المقهى فيه مسحة غريبة لم أعهدها سابقا .. الشوارع خالية من ضجيج أحببته .. حتى دكان أبو فاروق يغط في سبات عميق … أصوات الباعة تأتي كمن ابتلع أوجاعه بحديها .. التوتر باد على وجوه الركاب جميعا .. في تلك المرحلة لم أكن أدرك أن تلك الزيارة هي الأخيرة لمسقط رأسي وأن الغربة ستبتلع كل ذكريات الطفولة الجميلة لتحيلها أوجاعا تتدفق كل لحظة … كانت أحاديث الرجال كلها تنصب على حرب قادمة لا محالة وأن الجيوش العربية ستلقي باليهود في عرض البحر . .
سألت أبي يومها من الأكبر قناة “عقبة جبر” أم البحر الذي تتحدثون عنه … رسم ابتسامة بعرض جدول احتضن جسدي ورفاقي وذكرياتي وربت على رأسي وغرق في دوامة الصمت .

– 6 –
البيت يعيش حالة لم أعهدها سابقا ولا أفهمها … الجدة قادمة للإقامة عندنا ورغم ذلك أرى الحزن في وجوه الكبار وفرحة غامرة تنساب داخلي لكنها لا تكتمل … هل يكرهون الجدة ؟؟ سؤال خطر في رأسي الصغير سرعان ما تبدد عند حضور الجدة ونظرة الأسى في عينيها ترسم ألف حكاية ومفتاح البيت يتدلى بخيط من الكتان حول عنقها النحيل .. التعب باد على الأخاديد التي ازدادت عمقا في وجه حفر في ذاكرتي كل الفرح.. ابتسامتها تلاشت ليحل مكانها قهر ومعاناة لا أستطيع تفسيرهما .. في تلك الليلة انتظرت أن أحلق معها في عالم طالما رسمته لنا مع سندباد وسراج الغولة وكم هائل من حكايات نقشت في الذاكرة لكنها وتحت إلحاحنا الشديد وعدتنا بأنها ستفعل غدا ثم استسلمت للنوم وكنت أشعر بدموعها وكأنها امتداد لجدول “عقبة جبر” … أسئلة كثيرة دارت في رأسي لا أجد لها إجابة .. في صبيحة اليوم التالي فتحت عيناي من تحت الغطاء ليصلني صوت الجدة مختلطا بصوت المذياع وصخب الباعة الذي يتسلل عبر النافذة ليجذبنا عادة كمغناطيس قوي ينتزعنا من فراشنا … في هذا اليوم كان صوت الجدة يطغى ليكون المجال الأوحد الذي يجذبني إليه ..
– 7 –
ألقيت بجسدي في حضنها الدافئ وصمتها الذي يقول الكثير .. جدتي ، ما بك ؟ سؤال اندفع كطلقة أصابت صمتها .. نظرت إلى بابتسامة شاحبة وتمتمت بكلام لم أتبين هدفه ولم أتوصل حينها لمعرفة ما يحدث .. مدت يدها في جيب ثوبها المطرز بكل تاريخها ومعاناتها وأخرجت بضعة قروش أبيت أن آخذها بدون أن أعرف ما يكدرها.. احتفظ بها لتشتري حلوى من دكان أبو فاروق – قريبا نعود- .. ثم غرقت في صمتها وأفكارها وصوت المذياع ينقل ما يدور من انتصارات عربية!! كانت نتيجتها أن جدتي لم تعد كسابق عهدها .. جدتي .. هل سيلقون باليهود في البحر كما يتحدث الجميع ؟؟ إن شاء الله وستأتي لزيارتي كما كنت تفعل دوما .. ثم تحسست مفتاح بيتها وكأنها تتحسس كل ركن احتضن ظلال الطفولة وذكريات معفرة بترابه وأشجاره … لا أدري لم أحسست يومها بأن حديثها لم ينسل إلى أعماقي كما فعلت دوما ربما بسبب دمعة سالت على خدها في تلك اللحظة فحملتني للغرق معها في دمعها الطاهر وصمتها .. قبلت يدها ووضعتها على جبهتي الصغيرة لأنقش اسمها الأبدي في رأس عاصف بكل الأسئلة .

– 8 –
جدتي .. حدثيني عن يافا وأمي …
يافا عروس فلسطين … بياراتها لن تجدها في أي بقعة في هذا العالم .. برتقالها مجبول بدم أبناءها … يقال بأن السرة التي يحملها تكونت للرباط الذي يربط الفلاح بأشجاره كما ترتبط الأم بوليدها .. كانت تتحدث وكأنها تتلمس الأمكنة تنقلها لي فأنسل معها لتلك البيارات أتحسس وجوه الناس وطفلة تلهو بين الأشجار وتغفو على شواطئ المتوسط ..
وأمي يا جدتي حدثيني عنها .. سأحدثك عن يوم مولدك .. أذكره جيدا فلقد عمت الفرحة أرجاء عقبة جبر وأزقتها ..صمتت جدتي هنا وكأنها تستحضر المشهد … ” جيت عـ ..شهوة يا ستي بعد موت خواتك جميلة وانصاف ومولد أختك صباح ” ثم استرسلت بالحديث وكأنها تعيش تلك اللحظات بكل تفاصيلها فلقد قرأتها مرسومة على محياها .. أمك عانت كثيرا وتعبت في حياتها أكثر لكنها أبدا لم تفقد قلبا بحجم يافا وابتسامة تحمل معها حنانا لن تجده في كل نساء الأرض .. رسمت يومها صورة لأمي بثوب زفافها وبياض يختلط بحمرة البرتقال ورحلت عبر الحبل السري لرحم المكان ومفتاح ما زال يتدلى من عنق الجدة ……………..
– 9 –
…… في تلك الليلة رأيت أمي تنتقل من غيمة لأخرى بفستانها الأبيض وقلب بوسع يافا يتدفق حنانا ليصب في بحر يحتضن ما تبقى من ذكرى .. حاولت مد بصري جسرا لعلي أحظى بلمسة حانية أو قبلة تحملني إليها .. لم أستطع .. ابتعدت وغابت خلف بدر يختال بين النجوم .. ناديت بأعلى صوتي .. لا تتركيني أماه اغرسيني في ثنايا ثوبك خيطا يلمس شغاف قلبي الصغير .. لكن الصوت لم يتجاوز الحنجرة ودموعي تحاول رسم ملامح غابت منذ الطفولة .. استيقظت لأجد نفسي في حضن الجدة .. تسللت للخارج .. ونظرت للأعلى كان البدر يبتسم لي ويمد يده شعاعا بكل حنان ليمسح من داخلي كل الحرمان .. لوحت بيدي وهمست ..
أحبك أمي

– 10 –
صلو عالنبي .. قفزت فرحا عندما سمعت تلك العبارة واستنفرت كل حواسي وجلست قبالة الجدة وكلي آذان صاغية .. زيدوا النبي صلاة …. ألف الصلاة والسلام عليك يا حبيب الله محمد ..بحماسة وبصوت مرتفع رددناها لنحث الجدة على الإسراع في سرد حكايتها التي طال انتظارنا لها فمنذ قدومها يلفها صمت غريب ونظرة زائغة شاردة وكل أحاديثها منصبة على تلك الأخبار التي أدمنت سماعها تنساب عبر مذياع لا يحمل معه إلا حقن تخدير وأمل بعودة لا تتحقق .. ” حديدون ” وشقاوته ومقالبه التي انقلبت عليه يوما عندما اختبأ داخل يقطينة كبيرة ولأن آذانه كبيرة فتح فتحتين في جدار الثمرة … أي غباء في هذا الحديدون الذي صورته الجدة .. لم لا يختبأ في مكان آخر .. هل ضاقت الدنيا به ليقبع داخل ثمرة ؟؟ سألنا الجدة فكانت إجابتها لأنه لن يجد مكانا آمنا أكثر من بيته وحديقتها … ثم تحسست مفتاح بيتها ولا شعوريا نظرت إلى أذن جدتي المواجهة لي وشعرت أن بيتنا يقطينة كبيرة … لكن هل تشعر أنه آمن ………………..
– 11 –
…. بدأت الإجازة الصيفية ومعها بدأ موسم الطيران لكل أقراني .. أوراق الجرائد وأكياس الإسمنت الفارغة هدف مغر لنا وخيوط القنب القوية هدف آخر يقود لعقاب من الأهل ومع ذلك كانت ” شلة الخيوط ” كما كنا نسميها من المغريات القوية لذا لم نكن نفكر أبدا بالنتائج المهم أن نستولي عليها .. ثلاث قطع خشبية تشكل الهيكل لطائرتي الورقية التي برعت في صناعتها .. دقيق وماء للصق الورق و ” شراشيب ” ورقية بلون مغاير وذيل لطائرة جاهزة للإقلاع في نهاية المطاف .. جدتي هل تكفي خيوطي للوصول للقمر ؟؟ سأكتب رسالة لتحملها طائرتي لأمي … وماذا ستكتب لها ؟؟ لن أخبرك فهذا سري الصغير … إذن يا بني دع طائرتك تصل ” عقبة جبر ” وحمل معها قلبي فأنا لا أعرف الكتابة .. جدتي لن تستطيع طائرتي الطيران فقلبك كبير يحتاج لطائرة أكبر .. الرياح تحمل رسالتي وطائرتي الورقية للأعلى .. هل أحتاج خيوط أخرى ؟ فجأة ومضت برأسي الصغير فكرة نفذتها فورا .. تركت الخيط من يدي وهمست للريح راجيا .. وراقبت الطائرة وهي تبتعد رويدا رويدا إلي أن غابت عن ناظري ..
أين طائرتك يا بني ؟ ابتسمت بنشوة وهتفت .. رسالتي وصلت حتما يا جدتي فلقد راقبتها والريح تحملها لأعلى .. الليلة سأراقب البدر فأمي لن تخذلني أبدا.

– 12 –
… غابت الشمس وابتلعتها العتمة التي انتظرتها منذ أن حملت الريح رسالتي .. رحلت بنظري في كل اتجاه باحثا عن البدر ووجه أمي .. النجوم تملأ السماء والقمر لا يأتي .. لو يصل صوتي إليها لسألتها الآن فهي تعرف حتما مكانه .. لا بأس ..الليل في بدايته ربما كان يطل على يافا هذه اللحظة فجدتي أخبرتني أن أمي تزورها كل يوم وتلقي نظراتها شعاعا يغسل شواطئها ودروبها .. ربما ألقت تحية المساء على بيت الجدة في طريقها إلى هنا .. تيبست عضلات رقبتي النحيلة وعيوني تجوب السماء باحثة عن ثوب أبيض ووجه يبتسم لي وشعاع يحمل معه لمسة أم حانية تغسل أعماقي وكل تساؤلاتي التي لا أجد لها جوابا … من الغد سأبدأ بصنع طائرة ورقية كبيرة لتحملني معها بين تلك النجوم لأسألها عن يدين تملكان الدنيا وعروس البحر وقناة تعبرني باتجاه الساحل البعيد ولن أنسى قلب الجدة ومفتاح الدار .. لا بد أنها الآن في طريقها إلى هنا .. ماذا لو تربص اليهود التي حدثتني عنهم جدتي بكل خبثهم واغتالوا القمر هذه الليلة ؟؟ هززت رأسي بعنف طاردا تلك الفكرة وآلام الرقبة المتيبسة فالقمر لا يموت .. دوما يحمل معه الحكايات التي ينثرها مع ابتسامات الأمهات كجواب لرسائل تحملها الرياح لأطفال ما زالوا ينتظرون كل ليلة .. نسمة باردة وأفكاري جعلتني ارتعش وأتصبب خوفا و انتظارا .. الساعات تمر بطيئة وجفناي تقاومان لمعان النجوم وزائر ثقيل الظل لا أريده الليلة ، وأذناي لا تسمع إلا صوت ينبع من داخلي .. ستأتي .. لا بد أن تظهر ……..
13)
… من الذي نقلني لفراشي ؟؟ خرجت مسرعا .. الشمس تغمر الكون ضياءً وتغمرني الآن إحباطا .. عدت للداخل وكأنني أبحث عن عتمة الأمس وبدر يسافر في دمي … لماذا تخذلني عيناي في ليلة انتظرت فيها الجواب ..لم استسلمت لنوم لا أريده ولم يكن مطلبي .. هل ظهر القمر يا جدتي ؟؟ بكل حنان الكون ربتت على رأسي ومسحت دموعي التي سبقت سؤالي .. في نهاية كل شهر يا بني يسافر القمر في أعماق البحر ليسلم الرسائل التي يحملها لقطرات الماء ثم يعود جزء منه ليجيب على تساؤلات الصغار ويحمل معه الرسائل الجديدة .. ورسالتي يا جدتي ألم تصل ؟ اذهب واغسل وجهك الآن وستجد البدر مع كل قطرة ماء .. راقبت الماء وهو يصطدم براحة يدي الصغيرة فتتناثر الأسئلة في كل اتجاه .. رفعت يدي وهي تقبض على بعض القطرات وقربتها من أذني لعلي أسمع همس البدر وأمي

(14)
………… هذا الطريق طبع في ذاكرتي وأعرفه جيدا .. كل التواء فيه يحمل معه رائحة أدركها وتثير داخلي الكثير من ذكريات الأمس المتراكمة .. انحداره الشديد يضغط على أذني صفيرا لا ينتهي ويعزلني عن كل الأصوات .. نحن نتجه الآن إلى أخفض بقعة في العالم .. ابتسمت وأنا أتذكر جملة قرأتها في إحدى المجلات المصورة ” سرة العالم ” رفعت قميصي للأعلى ونظرت لثقب يتوسط بطني لعلي أدرك سبب التسمية .. زجرتني نظرات أبي وبسرعة تركت العنان للقماش وأفكاري ونظراتي ترقب تلك الوديان على جانبي الطريق .. “سويمة ، دير علا ، الكرامة ، … ” لافتات تركزت عليها عيوني وكنت أرقب وجوه لوحتها شمس الأغوار لتعطيها طابع مميز .. قناة الغور تشق المزارع .. لو لم ينتشلني الرجال أمام مسجد “عقبة جبر” لحملتني المياه إلى هنا .. ربما تعرفني كل تلك الوجوه فالمياه تحمل معها نبض المكان ورائحة الحكايات و صراخي .. على الضفة الأخرى وجوه غريبة عن هذا المكان .. من هؤلاء ومن أين أتوا ؟؟ سؤال لم أجرؤ على البوح به ففي قرارة نفسي أعرف الإجابة …….
15)
…… بدأنا نتحرك للأعلى صعودا باتجاه مدينة ” اربد ” وبرغم أنها المرة الأولى التي أشاهد فيها هذا الطريق إلا أنني أعرفه فهو انعكاس لطريق” الأغوار عمان” بجباله ووديانه .. في منتصف الطريق توقف السائق ما بين أشجار السرو العملاقة .. ترجلنا واتجهت وجوه الجميع باتجاه واحد .. نظرت لأرى مشهدا جعلني أتحطم رعبا .. يا الهي البدر هناك وفي منتصف النهار .. جدتي .. صرخت باكيا .. لقد اغتالوه كنت أشعر بذلك و .. إنها بحيرة طبريا تظهر وكأنها صحن لامع من هنا .. جاء هذا الصوت لينتشلني من رعبي ثم رحلت وعيناي إلى هناك .. أية وجوه وأجساد تحتضنها تلك البحيرة الآن .. أشعرالآن بأن الماء دموع كل الأطفال التي تشكل مكان ترتحل إليه الأرواح لتجد تلك الوجوه الغريبة تجثم حتى على أحلام سنونو يشدو لحرية بلا أجنحة ورسائل ما زالت تنتظر إجابة .
(16)
.. بدأ النهار يغمض أجفانه المتعبة وبدأت انقب في السماء عن ثوب أبيض يحملني شعاعا لبيارات البرتقال .. أضواء متفرقة خافتة تلوح في الأفق لتختفي كما ظهرت كلما انحدر الطريق وتلوى .. الوجوه تحمل ظلها وتمضي بانتظار إيقاع الغد .. جدتي.. حلمت بفراشات ملونة وأزهار تتفتح وشعاع قادم من السماء في نهايته طائرتي.. وكانت الفراشات تحيط بها من جميع الاتجاهات و تتهادى ما بين غيوم ناصعة كثوب أمي .. لم أشاهد البدر في حلمي أمس !! .. لحظات صمت طويلة اجتاحت كل الوجوه ونظرات تشكل تنور ألم وقهر في كل العيون .. يا الله حلمي يموت أمامي الآن .. فراشة فقدت ألوانها ترتطم في زجاج السيارة تتبعها أخرى وأخرى .. تساؤلات تطرق جمجمتي الصغيرة لتسحق في لحظة ارتطامها تباعا.. صرخت باكيا : حلمي ألم يقبع في وجدان الجدة
.. لن أنام الليلة!!……..
(17)
… أي ميراث يحملني الكبار ؟؟!! أيلول الذي حمل معه دوما عبير البيارات وهمس البيادر وكانت أيامه تحمل الخير والمحبة جاء هذه السنة وفي أحشائه موت أسود ووحش يقتلع البراءة من عيون الرفاق .. أشلاء تتناثر في زوايا أيامه لتحيل داخلي خريفا يمتد وشرخا يسقط آخر أوراق تستر عورات الأخوة .. لم لا توجه البنادق لصدر مغتصب بيت الجدة ؟؟!! أي جنون يجتاح رؤوس الكبار هذه السنة ؟؟ أصابع الجنون تتحول لموت يعبث بالحياة .. بجدران المنازل .. الأحلام تنهار أمامي تباعا ..سألت أبي : لماذا يقتتل الأخوة ؟
هز رأسه وخرج ..
أبي البحر ما زال ينتظركم واليهود مازالوا هناك !! ..
عبثا حاولت
ولا إجابة .

(18)
…… جو الملجأ المشحون بالكآبة والرطوبة المموه بصراخ الرضع وأمهات تبحث من تحت الثوب عن قطرات حليب في صدور جافة وعجائز تحمل فوق أكتافها المتعبة رؤوس بيضاء ووجوه بأخاديد عميقة تلعن كل قياصرة الحرب الحمقى المخضبة أكفهم بدماء الأبرياء وحليب طفل جف جوعا في وجه أم ، يثير صداعا لا ينتهي في جمجمتي الحبلى بكل الأسئلة والأحلام .. جدتي .. ألم يفتت رأسي .. ضمتني إليها بصمت واضعة كفها الأبيض المرتجف على جبهتي الباردة .. خلعت منديلها .. ربطته حول رأسي الصغير بعقدة واحدة ثم ربطته بمفتاح بيتها الكبير وبدأت تلويه المرة تلو الأخرى وتقرأ ما تحفظ من سور القرآن الكريم القصيرة وأدعية كثيرة ومنديلها يعصر رأسي ليجتث الألم القابع فيه …
الدم ما يزال في العراء وزوايا الدروب تحمل صور الموت المتربص بالطفولة .. زمجرة المدافع وأزيز الرصاص مزق طائرتي وحلمي .. لا أريد البدر حزينا باكيا أشلاء طائرتي .. ليته يتأخر هذا الشهر كي لا يشاهد العصافير النازفة المعلقة بحراب الحمقى بين عناقيد الكروم ….
(19)
…. انتهى أيلول ومرت أيامه التي حفرت الأسى في ذلك العام ودفنت أيامه أحلام الجدة التي انتقلت لبيت آخر مكون من غرفة واحدة وباحة كبيرة يتوسطها قبر !! كيف تستبدل شجرة التين بلحد ؟؟ والبيت الكبير وذكرياته بحجرة !! أي ظلم وقع على من تنفست الفجر وطنا وزيتونة وضياء لتغرق الآن في ظلمة الانتظار انكسارا وإحباطا وتقبض على حقيقة الجوع والحرب واختلاف الليل وحلمي المزخرف باللاعودة .. الحقيقة يا جدتي مكان ومفتاح وفجر مرتبك وقناة تنساب حزنا على أجساد ما عادت تعانقها وبرتقالة فقدت حبلها السري!!.. الحقيقة يا جدتي بدر يتبعثر كما الأحلام وأوهام الانتظار .. جدتي ألا تخافين النوم هنا ؟ ابتسمت كعادتها .. الأموات يابني هم السكينة الأبدية وجوارهم أرحم ألف مرة من وحشية الأحياء الذين يحملون الموت في أعماقهم .. الحياة يا بني حجر ينتصب شاهدا لأسواق العابرين .. سكتت الجدة وهي تردد الآذان خلف المؤذن وعيونها معلقة في منتصف الباحة .

(20)
…….. أحبك يا جدتي بحجم بحر يحتضن الأمكنة وأمي وبدر ينير عتمة أعماقي … وشاحي المشبع بالحنين هو خيطي الصغير الذي ينتهي دوما بذاكرة نازفة في عمق الليل شوقا وطائرة باتت أشلاءها تتناثر حول باحة البيت .. تمر الأيام يا جدتي وينأى حلمي الكبير ليصبح كابوسا يجثم على أنفاسي المتقطعة.. الشجرة التي كانت أرجوحتي هناك تحولت للحد يتوسط الباحة .. والجدول جف داخلي والوعود تذهب هباء والقمر ما زال يحمل في طياته حزنا عميقا أراه يكبر داخلي تدريجيا ليمسي الطفل داخلي كهولة قادمة .. ماذا ستقدم لي يا بني عندما تكبر وتعمل …؟ سأعطيك يا جدتي خمسة دنانير شهريا وقلبي للأبد .. وان تزوجت ؟؟ .. يا من نسجت طفولتي وأزحت عن كاهلي ملامح الهم بكل حنان سآخذك معي حتما لنرقب القمر لعله يحملنا لحلم تقاسمناه معا وكبر مع حكايات المساء ….. هل تذكر حكاية “جبينه” يا بني ؟؟ وهل أنساها يا جدتي … تتمثل الآن أمامك يا بني بشحمها ولحمها وآلام تنخر أعماقها وحلم العودة أبدا ما فارق اختناق صمتها المعلق في رقبتها .. لم أفهم حينها ما تقصد ولكنني كنت أراها مغرورقة العينين تنظر للبعيد وكأنها تشاهد مصطبة البيت وقناة تنساب أمام الباب الذي فقد مفتاحا وقلبا بحجم السماء …….
(21)
…….. هذه الليلة تنصهر أفكاري مع هذا الحر الذي هاجمنا دون سابق إنذار ليجعلنا نفر لباحة الدار للتنقيب عن نسمة هواء لا تأتي إلا عبر حركة مروحية من كفي الصغير .. شعلة المصباح الذي يعمل على سائل الكيروسين ساكنة لا تتراقص كعادتها.. حتى الفراشات التي كانت تدور دوما حولها لا أثر لها الآن .. الدالية التي تشكل عريشا يظللنا نهارا تحجب النجوم .. عناقيد العنب التي تتدلى فوقنا كبديل عنها هدف مغر للسطو عليها صباحا رغم أنها “حصرم” .. طوابير النمل تتسلل تحت الحصير وكل نملة تضل طريقها تجد عود كبريت مشتعل بين أصابعي وصوت جدتي ينهرني ” لا يعذب بالنار إلا الرب الجبار ” .. حرارة الجو ترسم ابتسامة غامضة على محيا الجدة لعلها تتسرب الآن لأجواء بيت يقبع في كل ذرة سكون في حبكة ليلة مشابهة تضمد جرح المدن بدفء الشوق الذي يشكل مفتاحا معلقا بأمل ما زال يبتعد تدريجيا.

(22)
… هذا الصباح البيوت ترتدي حلة بيضاء والسماء ما زالت ترسل قطافها ندفا ناصع الأحلام تحط على ضباب النافذة كفراشات نار مجمدة .. مدفأة الكيروسين ترسل الدفء في محيطها فنتكور حولها وأيدينا تمتد لتسرق القليل من السخونة .. قطع الخبز تلتصق في كل مكان على جوانب المدفأة المعدنية وتتسابق الأصابع لالتقاط أي قطعة تنضج سقوطا مع الكثير من الصراخ والركل وضحكات الجدة تملأ المكان .. إبريق الشاي له الحظ الأكبر من الحرارة .. اللهب يتراقص متأججا ونقاط الكيروسين تغذيه عندما ينساب من كرة معدنية أعلى المدفأة .. نشوتي الكبرى وسعادتي تكمن في إشعال تلك المدفأة التي تمتد أذرعها صعودا وهبوطا لتنفذ من خلال الجدار فتحمل الدخان للخارج ليختلط مع الغيوم البيضاء .. جدتي لماذا يتساقط الثلج ناصع البياض برغم سواد الدخان ؟؟ لن يحجب البياض قليل من سواد .. الثلج يا بني دموع المظلومين يفيض به البدر كلما شعر بالبرد .. أي قلب تحملين يا جدتي وأي ألم .. نظرت من النافذة التي اكتست بلون البدر ولمحت ثوب أمي الأبيض يظلل كل الأمكنة ويمنحني دفئا معشق الحنين.

(خاتمة البداية .. )
.. الجميع حول فراش الجدة والوجوه يعتريها الوجوم والنظرات تختلط بدموع حبيسة تنتظر الانفلات من المحاجر .. جسد الجدة مسجى بمهابة ويدها تقبض على مفتاح حلمها وابتسامة شاحبة ترتسم على محياها وعيونها شاخصة تحملق في البعيد .. جدتي لا تتركيني في مهب الوحدة .. سنعود معا .. البدر ينتظر ومصطبة الدار .. انظري يا جدتي .. انظري الي .. حدثيني عن يافا وجدي وأمي والبحر والبدر.. حدثيني عن “حديدون” و”جبينة” و”سراجات الغولة” .. آه يا جدتي أي ألم يتمثل الآن داخلي وأي فقد .. لا تستسلمي يا عمري فالمفتاح ما زال معلق في ذاكرة البدر .. أمي تنتظر في مدخل البيت بثوبها الأبيض ..
انهضي بالله عليك كي أعود لحلمي / أحلامنا .. أتذكرين طائرتي الورقية ورسالتي. .ربما يرسل البدر جوابه هذه الليلة .. حبا بالله أيتها الجدة لا تتركيني وحيدا أريدك معي..
هيا ضميني اليك بقوة أشعر بالبرد / الغربة / قولي شيئا .. أي شيء .. شدي على يدي .. لا ..
لا تغمضي عينيك فمن خلالهما أرى أمي وقلبك الذي ظللني منذ سني الحرمان بكل حنان …
لا…
بأي دمع أبكيك الآن كي ألم شملنا في جذر زيتونة عتيقة أضاعت مفاتيحها ذات نكبة .

شاهد أيضاً

قلبي صندوق موسيقا

قلبي صندوق موسيقا الغزلان التي نامت بلاصحو لم تكن تلعب الاستغماية مع السفح ولم يكن …