أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / أبواب وجدران

أبواب وجدران

أبواب وجدران

أحمد بنميمون

أمر بمحاذاة أبواب دور لا سواقيَ أمامها ولا بساتين، ولا يصلني مما وراءها غير نشيج خاقت خائف، وعويل خفي، فلا أرى على جدرانها الخارجية غير كوى أريد منها أن تكون نوافذ فلم تُفلحْ ، إلا أنها كانت تفي بما أراده بناؤوها ، بدخول أو خروج أنفاس، وإن لم تستطع أكثر من الإشارة إلى عبور خيوط ضوءٍ شحيح، أو الإعلان عن حلول ظلام تام.
ثم تنتهي بي الخطى إلى المرور على ما كان ذات يوم سجناً كبيراً، فلا أرى قريباً من بوابته التي لاتزال قائمة، إلا ما يدل على إقامات أو أشباه منازل، لا تزال حيث كانت، فأتذكر صورا من أسر كانت يوما ما من نزلائها، ووجوها لساكناتٍ وإن كُنّ في حكم الطليقات البريئات، رغم أن روابط دم جمعتهن بسجانينَ، جعلتهن ينطوين على رعب داخلي مقيم، لا يكاد يغادرُهن، وعلى ظلمات تضج بمخاوف من كل نوع وكوابيس مريعة، لا تستطيع إضاءتها أو طردها حتى ابتسامات ملائكة من عذاراهن أشباه الراهبات المتصوفات،
ولا شياطين أطفال طالما تنافسوا وهم يتظاهرون بالفرح ، وهم يعلمون أنهم إنما يحاولون ما لا سبيل أمامهم للوصول إلى ما يحلمون به .
ومن الغانيات من كن لا يدرين مايصنعن إذا حوصرتْ إحداهن بنظرات رجل، أو حتى ذكر لا يهم في أي سن كان، فعتبات منازلهن منقبضات لا تستجيب لأية فرحة تتاح لبناتهن أو بنيهن، من كركرات ضحك حييٍّ، أو شغب نفوس الأولاد البريئة. وقد انحنت أقواس مداخل البيوت ، هنا وفي أية جهة كانت ، وهي تتستر وتتلوَّى كأنما تخفي ألمأً، عن صياح يأتي من الدواخل، كانه صراخ مُصفدين، أو أنين من لا يملك حتى حق رفع وجهه أما أي جسم مضيء، أو أي طيف عابر ، أمام الأبواب، في سكون ،
وأنا كالطائر كنتُ جائعاً بردانَ في معظم الفصول، أبحث، دون يأس، عن أصغر منفذ إلى الدفء في أي قفص، متوهماً أنني سأكسب بالحب ، وبامتلاء روحي بعذْب اللحون ، ولو سارت بي خطوات عشقي الأعمى إلى غيابة جبّ لا نور فيه ولا رؤيا ، بل هو أقرب إلى اختناق الزنازين، ووحل تلك نتانة التي لا تغادرها. لقد كان في أعماق تلك الدور ما يجذبني ويغريني، وإن أقامت سلطات الكبار حواجز وأستار لا سبيل إلى تجاوزها ، وقد تفننوا في رفع سكاكين النهي وإصلات سيوف المنع في وجوه حسان ما كان أجملهنَّ، حتى اربدَّتْ واكفهرَّتْ، قابعة بين جدران الخوف، وراء أبواب مغلقة، لا يشبهه في انغلاقها إلا عقول آباء غِلاظٍ شِدَادٍ، لا تفسير لأي شيء عندهم بعيداً عن حرام يقتل كل من يقدم عليه.
أنا اليوم اكاد أغادر مسرح هذه الدروب والطرقات، دون أن أنسى ما كان يملأ أعماق نفسي الصغيرة من صرخات جريحة ، كانت تصلني من دواخل حجرات أو مباني ، وراء جدران عالية ، تزداد ارتفاعأ بقدر ما أزداد خوفاً من سياط أحسها تلهب أي جزء خارجي مني أو داخلي، كلما أصررتُ على مدِّ يدي منجدأ كل من يستجدي نظرة عطف مني أو يرغبُ في شيء من عوني.

شاهد أيضاً

آخرُ ما كتبتُ من شعرٍ ….. أشتاقُ نسيانًا

آخرُ ما كتبتُ من شعرٍ ….. أشتاقُ نسيانًا ‏محمد دحروج أشتَاقُ قَـبـرِي أشتَاقُ قَـبـرِي ، …