أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / ما الذي يحتاجه الكرد في سوريا: اليوم ومستقبلاً؟

ما الذي يحتاجه الكرد في سوريا: اليوم ومستقبلاً؟

ما الذي يحتاجه الكرد في سوريا: اليوم ومستقبلاً؟

سيهانوك ديبو

يُسْقَطُ عنه مسمى السياسي أو المُتحلي بالواقعية السياسية كل من يفكر بأن قوى الشعب الكردي التنويرية الممثلة بأحزابها في الإدارة الذاتية الديمقراطية من جلبت الوجود الأمريكي في (شرقي) ضفة الفرات. الشيء نفسه ينطبق على الوجود الروسي في (سوريا المفيدة) من (غربي) ضفة الفرات؛ على الرغم من تعكز موسكو المستمر في ديمومة شرعية وجودها بناءً على طلب السلطة السورية على اعتبارها (الشرعية). إنما الوجودين الأمريكي والروسي وكلّ الوجودات الأخرى في سوريا متعلق بشيء واحد اسمه الحرب الباردة وعودتها بشكل واضح من الباب السوري؛ إضافة إلى الأبواب الأخرى وصولاً إلى أوكرانيا والقرم والعراق واليمن ولبنان وغيرها من الأبواب المنفلتة، وفي وقت لاحق وباب تركيا التي تتهيأ لذلك؛ لا بل محققة شروط ذلك عن طريق السلطان أردوغان الذي يرسم اليوم مملكة أردوغانية خاصة في تركيا. فلن يجد نظام الهيمنة العالمية بكافة أقطابه أفضل من أردوغان لترسيخ وجودها الطويل في المنطقة. في الحقيقة أفضل مقاربة لأردوغان هو الحاكم الديكتاتوري التشيلي السابق أوغستو بينوشيه. وفي ذلك إنما يشير الترجيح الكلي بأن أفضل نهاية لأردوغان تكون مثل نهاية بينوشيه.
الكردي في دوامة الشرق الأوسط وعبر مرحلة الدولتية؛ لا يختلف كثيراً عن أقرانه في الشعوب الأخرى. لكن للشعب الكردي تمييز واضح يُحسب لصالحه؛ دون غيره؛ بمفاد أنه لم يُمْرَرْ في مسلخ الدولة القومية. نجى بشكل غير ذاتي من فخ الدولة القومية المركزية. حتى أننا يمكن القول بأن حظوظ ريادة الكردي –عبر مشروعه الديمقراطي- للمرحلة الحالية لها العلاقة بأن دمائه خالية من أمراض الدولة القومية. وأن اصراره على تمثيل وجوده وحقوقه وحل قضيته من باب الأمة الديمقراطية في الإدارة الذاتية، وفي الوقت نفسه أن يتحقق عبر هذا النموذج مسائل كثيرة لم تعرفها سوريا –مثالاً- مسألة الانتماء الوطني أو تحقيق الدولة الوطنية. إذْ يمكن القول بأن سايكوسوسيولوجية الشعوب في سوريا لا تختلف عنها في مرحلة ما قبل الاستقلال؛ ربما أدنى مستوى في ذلك.
لكن ما الذي يحتاجه الكرد في سوريا: اليوم ومستقبلاً؟
لا يوجد صراع في روج آفا بالمطلق. المكتسبات التي تحققت في روج آفا وشمالي سوريا لم تتحقق عن طريق الوحدة الكردية الكاملة أو ترتيب البيت الكردي بشكل كامل. فلا يوجد بيت بكل الشرق الأوسط وربما العالم مرتّب بشكل كامل. في بداية الأزمة السورية؛ منذ سبع سنوات تقريباً؛ ظهر وقتها ولم تزل عدة قراءات. بعض الأحزاب الكردية أحكمت مصيرها بالمجلس الوطني السوري ومن ثم الائتلاف؛ وعلى الرغم من حالة الصدع الكبيرة التي تشهد به الائتلاف اليوم–كتكتل يقوده الإخوان المسلمون- إلى درجة التلاشي؛ إلّا أنها أي هذه الأحزاب لم تزل مرتبطة به. أغلب الأحزاب الكردية موجودة اليوم في الإدارة الذاتية؛ بعض منها تعارض هذه الإدارة وفق مفهوم المعارضة القويمة؛ موجودة وتقبل بالإدارة وتعارضها في الوقت نفسه. أما (أكراد) النظام فإنهم كمن حسم أمره منذ البداية بانتمائهم العضوي إلى هذا النظام. وهذه لوحة التموضع السياسي للقوى والأحزاب الكردية في سوريا؛ حتى اللحظة. وفي المشهد الغالب فإن هذا التموضع يبقى مع احتمالية منخفضة في حدوث الانتقال لصالح الإدارة الذاتية. بخاصة لبعض الأحزاب الكردية التي من المتوقع أن تقفز من سفينة الائتلاف المهترئة.
إذا ما كان الهدف من أي ترتيب في البيت الكردي من سوريا هو تحقيق المكتسبات؛ فما هو متحقق منها وعن طريق آلاف الشهداء المقتنعين بالنظرية الثورية التي أدت إلى هذه المكتسبات؛ لا يمكن اعتبارها بالهيّنة القليلة، بل لا بد من اعتبارها بالمنجز الكبير؛ بالرغم من النواقص والعيوب والعراقيل الذاتية والموضوعية التي ظهرت وتظهر في التجربة الوليدة/ الإدارة الذاتية الديمقراطية. أن تطلب من حزب أو أشخاص لا يجدون أنفسهم معنيين بهذه الإدارة؛ لا بل باتت مهمتهم نسف تجربة الإدارة الذاتية؛ ما يعني بأنه مثابة حَلْبِ الغيم، وهؤلاء هم خارج الحلبة الوطنية وهم خارج اللعبة السياسية بكل مساراتها. نتذكر هنا الائتلاف الذي كان يطالب بالتفاوض واسقاط النظام في الوقت نفسه! والذي بقي منه تراهم يسطرون الاتفاق تلو الاتفاق/ الهزيمة تلو الهزيمة في عودة قوية للنظام وتسليمه المناطق التي كانت تحت بنادق ما تسمى بالفصائل المعارضة؛ مثالها اللامنتمي سورياً: كتيبة سمرقند.
كما أنه لم يتم احتلال تركيا لعفرين لأن البيت الكردي في سوريا غير مُرَتَّب؛ الجميع يعلم بأن مقاومة شعب عفرين ووحدات حماية الشعب والمرأة أدت مهمتها بالتمام والكمال ولا تتحمل الإدارة الذاتية في عفرين ومجلسها التنفيذي خطأ أدى إلى احتلال عفرين؛ مثلما أن فرنسا الديغولية لم تتحمل الخطأ حينما اجتاحت ألمانيا النازية واحتلت 60% منها، وفرنسا الديغولية حررت فرنسا بعد حوالي أربعة أعوام بالرغم من وجود حكومة فيشي. أو أن الاحتلال التركي لعفرين قد تم تشريعه من خلال مجلس عنتاب الخياني؛ كشهود تشريع الاحتلال؛ ليس أدنى أو أقل. وعفرين التي تتحرر ؛ مُحَقَقٌ تحريرها؛ لن يكون لأن البيت الكردي ناله الترتيب من خلال دخول حزب أو شخص من خارجه؛ بالرغم من أهمية ذلك.
الشعوب التي تتعايش سويّاً تشترك بالأمراض نفسها. يعاني الكردي –بنسبة كبيرة منه أفراداً وشخصيات لا تبرح طوعياً كرسي رئاسة الحزب- من مرض اسمه التفرد الانفرادي؛ الأنا المتضخمة؛ كما في المثال الشعبي: إما أنا أو فليأتي الطوفان. في الأزمة السورية بانت هذه النقطة المتورمة واضحة عند طرفي الأزمة. الأسد أو نحرق البلد. وفي الطرف النقيض الشعب يريد إعدام أو اسقاط الرئيس. طرفي الأزمة بقيا في الوقت نفسه؛ ولم تحرق سوريا ولم يُسقَط الرئيس. وفي الحالة الكردية أيضاً يظهر مثل هذا الورم. والأخطر هنا حينما يقتنع أحدهم بأنه لا شيء يخسره وليحصل الذي يحصل. وبالرجوع هنا إلى الشخصية الكردية من فئة المناضلين الزرق (الفسابكة)؛ مناضلو الفيسبوك. يبدون درجة حقد كبيرة على المكتسبات المتحققة من خلال الإدارة الذاتية الديمقراطية. كانو مع الاحتلال التركي وحمّلوا الإدارة الذاتية وزر خطيئة لعبة الأمم في احتلال تركيا لعفرين. وكانوا أول من قالو بأن الإدارة الذاتية فاوضت النظام وسلّمت وباعت في دماء الشهداء؛ وفي الحقيقة لم يحدث حتى اللحظة أية مفاوضة رسمية ما بين طرفي السلطة في الإدارة الذاتية والسلطة في دمشق، ومن المفترض بل من الواجب أن يحصل وفقاً لأصول التفاوض وفي كل شيء يؤدي إلى تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا. وأن تكون سوريا الجديدة سوريا للجميع. موزعة فيها السلطات بشكل مسؤول ما بين المركز والأطراف؛ بضمانة النظام السياسي الديمقراطي اللامركزي.
الكردي الذي يفكر بشكل قومي أو وطني سوري يجب عليه أن يقوِّي أفضل الأشكال الموجودة اليوم على الساحة السورية؛ أي شكل الإدارة الذاتية الديمقراطية. وأفضل أشكال التفاوض التي تحصل في لحظة المستقبل المناسب هي أن نكون سويا من نفاوض السلطة في دمشق؛ كرداً وعرباً وسريان آثوريين وغيرهم من تكوينات روج آفا وشمال سوريا وشرقها الممثلة بالكيان التنظيمي الإداري المجتمعي (الإدارة الذاتية). وما يلزم الكردي في سوريا مثله بالضبط الذي يلزم الكردي في العراق وفي إيران وفي تركيا: عقد مؤتمر وطني كردستاني طارئ بما ينتج عنه الأجندة الوطنية الكردستانية ولِما يحقق السلام والاستقرار في هذا الشرق الأوسط الديمقراطي الكبير إذا ما أردنا؛ أو الصغير إذا ما تُرِكَ مصيرها بيد الأنظمة المركزية الاستبدادية. كما حالها في مثال المستذئب المستلطن أردوغان. وإذا ما سألت طفلاً كردياً لم يبلغ العاشرة من عمره السؤال: من هو العدو الأكبر للكرد؛ ليجيب خاصة بعد فاجعة الاستفتاء في باشوري كردستان إقليم كردستان العراق وتمكين داعش في شنغال/ سنجار وكركوك وصولاً إلى احتلال عفرين؛ وعدوانه في النيل من قنديل (أمثلة حديثة) بأن هذا العدو هو النظام الفاشي في تركيا.

شاهد أيضاً

قذارة الحرب كردياً

قذارة الحرب كردياً د.محمود عباس من إحدى آثار الحروب، أنها أحيانا ولظروف معينة، وتحت شروط …