الرئيسية / شؤون ثقافية / الفنانة زهرة محمد فرج ريشة مبدعة تضع الإنسان أمام نفسه وجها لوجه

الفنانة زهرة محمد فرج ريشة مبدعة تضع الإنسان أمام نفسه وجها لوجه

الفنانة زهرة محمد فرج
ريشة مبدعة تضع الإنسان أمام نفسه وجها لوجه

جلال زنكَابادي

بعد مرور ثماني عشرة سنة على لجوئها إلى أستراليا، وفي شهر حزيران (يونيو) عام 2011، رحلت بصورة فاجعة عن دنيانا، الفنانة التشكيلية المبدعة زهرة محمد فرج؛ إثر صراع قاس مرير مع مرض السرطان، ومما زاد حزن وأسى معارفها وأسفهم الشديد، هو ان إبداعات مشوارها الفني وسيرتها الطيبة وحتى واقعة رحيلها لم تنل الإستحقاق المنصف والعادل، في حياتها وبعد موتها…
وإذ هممت بالكتابة عنها؛ تداعى إلى ذهني الكثير من الصور المشرقة لزهرة الإنسانة النبيلة والفنانة المبدعة؛ بحيث احترت:
من أين أبدأ وإلى أين أنتهي..؟!
لكنني سرعان ما حسمت قراري بالتركيز على معرضها الشخصي للتخطيطات، الذي أقيم على قاعة عبدالقادر الرسام في المتحف الوطني للفن الحديث ببغداد ، خلال شهر تشرين الثاني 1985، وضم 36 لوحة.
أمّا لماذا؟
فلأنه كان حدثاً فنيّاً خطيراً بمعنى الكلمة زمانذاك !
وهنا أتذكر باعتزاز كبير كيف ان الفنانة الراحلة زهرة تملّصت من عرض مالي مغر (750 ديناراً) من قبل دائرة الفنون التشكيليّة حينذاك، لتعضيد طبع دليل معرضها ؛ طبعاً لكي يدوّن عليه كتبة وزارة الثقافة ما يشاؤون من إشادة بآلاء الحزب القائد العظيم والدكتاتور المتألّه الأرعن . واستكمالاً لموقفها الرافض ؛ طلبت مني كتابة كلمة دليل المعرض ، والذي طبعته الشاعرة آمال الزهاوي (بمبلغ زهيد) في مطبعتها؛ بتوصية من الفنان الخطاط الراحل خليل الزهاوي .
وقد تضمن الدليل كلمتي بعنوان (إنطباع)
ومنذ الوهلة الأولى لإفتتاح المعرض أثارت معروضاته وكلمتي حفيظة وامتعاض وزير ثقافة النظام الصدامي لطيف نصيف جاسم ، الذي سأل الفنانة :
-” من هو جلال زنكَابادي الذي كتب هذا الكلام… ألم تجدي غيره ؟”
فأجابته رابطة الجأش مشيرة إليّ :
– ” هو خالي ويفهم رسومي ويقيّمها أفضل من غيره..”
قالت ذلك بسرعة بديهة فائقة؛ لمواجهة الموقف، علماً بأنها لاتمت بصلة قرابة إليّ ! وسرعان ما إنتحى الوزير بإثنين من أزلامه ( الفنانين !)، فأبلغ أحدهما الفنانة زهرة بأن (السيد الوزير) قد أمر بتقليص فترة العرض إلى أسبوع بدلاً عن الأسابيع الثلاثة المعلنة!
جليٌّ ان قراره قد جاء لأن المعرض لاينسجم مع الخطاب الإعلامي للنظام الفاشي المقبور، بل كان بالعكس منه تماماً، إلى حد أن بعض المبدعين والإعلاميين عدوه من الإختراقات الإستثنائية النادرة للخطاب الحكومي آنذاك. كما إن أيدي النخبة المثقفة المناهضة للسلطة الغاشمة قد تلقفت غالبيّة النسخ الخمسمائة لدليل المعرض ، مروّجة إيّاها في أماكن مهمة كـ (إتحاد الأدباء …) و حتى خارج العراق، وبلغ عدد زوّار المعرض حدّاً غيرمألوف؛ حيث لفت المعرض والدليل أنظار وضمائر من تكفيهم الإشارة ، لاسيما وان اللوحات كانت بمثابة صرخات جهيرة ضد إبادة البشر وتدمير البيئة (سياسة الأرض المحروقة في كردستان خاصة) أمّا القنوات الإعلامية الرسمية والذيلية فلم تول المعرض اهتماماً يّذكَر، ماعدا استثناءات نادرة كمقالة الكاتب هاشم حسن.
وهكذا أفلحت الفنانة زهرة وكاتب الـ (إنطباع) في توجيه ضربة معلم ذكي ومجازف إلى أبواق إعلام النظام المقبور في عقر دارها ! وطبعاً دخل اسم الفنانة القائمة السوداء الخفيّة…
ولكننا بعد انتهاء المعرض بسلام، انقطعت بنا السبل، وغابت أخبار الفنانة عنّا سوى خبر زواجها من الشاعر غيلان حوشي، وإقامة معرض آخر لها في سنة 1988 ببغداد؛ لأن عاصفة الأنفال الشريرة جرفتني وعائلتي في مطلع ربيع عام 1987 وانقطعت نهائياً عن زيارة بغداد منذ 7 كانون الثاني عام 1990 ….
يبدو – حسبما حدست – ان نوائب العراق الجمّة قد رمتها كالملايين المنكوبة إلى أحد المنافي والمهاجر كأستراليا ! وبفضل (النت) إلتقينا من جديد في أواخر عام 2008 وتبادلنا بضع رسائل حميمة، حيث أرسلت إليّ مجموعة صور للوحاتها وتخطيطاتها مقرونة بمعلومات عن لجوئها وأنشطتها وحياتها الزوجيّة والفنيّة، وعن إصابتها بسرطان الثدي وانتشاره في كبدها، وإذا بها تنقطع عن التراسل منذ أوائل عام 2011، وباءت محاولاتي كلّها بالفشل في العثور على أيّ خبر عنها، رغم تكليف بعض أصدقائي المتواجدين في أستراليا ومنهم الفنان والأديب صباح الأنباري…ولم أعرف بوفاتها (رحمها الله) حتى أواخر عام 2012 وبفضل الأديب والإعلامي خالد الحلّي .

انه لمن الواجب الأخلاقي والإنساني أن نستعيد ذكرى الفنانة الراحلة، بكل اعتزاز وإجلال وإكبار. وهنا أعيد نشر كلمتي (إنطباع) وسيرة خاطفة لها :

*****
إنطباع

في هذا المعرض (1) تضعنا الفنانة الشابة زهرة محمد أمام الإنسان المعاصر وجهاً لوجه ، الإنسان المغترب، الذي مافتئت القوى المستلِبة تمعن في الفتك به وبطموحاته وأحلامه المشروعة في الوجود ، لكنما الإنسان، كما تراه زهرة ، بخلاف سواه من الموجودات لايفنى فكرياً وروحياً حتى لو فني أو أُفني جسدياً، فهو يظل رغم كل شيء شامخاً في حياته وموته ؛ ذلك ان قوى الخير بما فيها : البشر والأرض والشجر والفكر لايمكن أن تموت أبداً..ولاعجب إذنْ إذْ ينهض حتى الموتى عبر توحّدهم بالأرض الأم ويتوحّد الإنسان مع الأرض والشجر، عبر استحالات مدهشة حيث تتأنسن الأرض والشجر أو يتأرّض ويتشجّر الإنسان، وهذا ما يجسّد ماهيّة المصير والقدر المشتركين بين الإنسان والطبيعة المعرّضة للتدمير هي الأخرى.
وهكذا يتضح لنا بأن الهاجس والهمّ ، اللذين يؤرّقان روح هذه الفنانة، يتجلّيان في استحضار سورات صمود الإنسان المكافح والمتحدّي لمختلف القوى الباغية ، رهن مناخ من القنوط والعتمة مسكون بهلع الإنسان ؛ خشية أن يخنع أو يفقد ذاته الأصيلة أو يتمسّخ ، لكن هذا المناخ لايخلو من بصيصات ضوء تخترقه هنا وهناك؛ مادام الإنسان هذا لايستكين ولايعتريه خور أو نكوص..
ولئن اختارت زهرة هذا الإنسان محوراً لأعمالها ؛ فقد إختزلت بذلك الكثير من التأويلات وأفصحت جهيرة ان الإلتزام الراسخ والمطلق بقضية الكائن البشري في كوكبنا المهدد بالدمار، إنّما يدعوها إلى الإيغال في زعزعة وتعرية زيف ولاإنسانية يقينيّة ومنطقيّة الوضع البشري الراهن ومألوفيته ومسلّماته الراكدة ومايسوده من إحساس وفكر متبلّدين..وهكذا فقد هيمنت على أعمال فنانتنا قصدية التفكير الذي يستحضر جوهر الصراع الأبدي الخلاّق بين الأضداد، بل ولم تن زهرة تستغور روح الإنسان المعذبة بتجسيد دمار- الجسد- المرئي؛ حتى أفلحت أحياناً في اقتناص الصرخة الإنسانية قبل أن تُخنَق أو تضيع أو تتلاشى..هذه الصرخة المجبولة بالخوف والقلق والألم والرفض والإحتجاج والإدانة والتحدي والحب..
وهنا لابدّ من وقفة مع المرأة عند زهرة، فغالباً ما نلتقي المرأة في حيّز خانق، وربما وراء القضبان والأبواب والستور السميكة، حيث تغمرها دياجير العزلة الكابوسية ، لكنها ثمة ترنو وتتطلّع إلى الخارج – المستقبل ، إذ يشعّ الضوء والأمل..وبرغم كونها مستلبة ، تبدو حانية تحدب على الرجل وتحتضنه وتسانده ؛ مادام المصير مشتركاً..ولاريب في انها المرأة- الحلم بجذورها الحيّة الغائرة في الأرض عميقا، نجدها مصعّدة رمزيّاً إلى مستوى يتخطّى المعاني التقليدية والمألوفة ، وإلى أوج الدلالات الثرّة، ولكن الفنانة زهرة لإفتتانها بهذه المبالغة ؛ تناست الكثير من حقائق الظروف التاريخية المعطاة ، وتحاشت موضوعية الواقع المعاش ؛ ولهذا لم تستبصر، رغم رهافة حسّها للأسف، دواخل بنات جنسها وصبواتهن ومعاناتهن، كمخلوقات من لحم ودم وأعصاب، بالمستوى المرجو الذي كنا نصبو إليه.
التخطيط بدهيّاً هو أقدم أساليب الإنسان التعبيرية ، ولقد كرّسته زهرة؛ ليؤدي دوره كعمل فني مستقل ومتكامل يحمل في صلبه تحدّيّاً كمبنى ومحتوى… وإن التمعّن في قراءة رسوم هذه الفنانة يؤكّد لنا أنها شديدة الثقة بأبجديتها الجوهرية الأصيلة (أي الخط) حيث تولي التخطيط جلّ اهتمامها ؛ فالخط عندها يحدد، كما يتواشج معه الظل والضوء لتحقيق التجسيد. وهنا تتجلّى جرأتها (وهي الفنانة الشابة) في خوض غمار التشكيل الفني باقتدار وحدّة ، رغم كونها مسلّحة فقط بمحاولات الإستثمار الأقصى لما هو جوهري لدى الرسام ، ألا وهو الخط ، وراحت تؤسلب هذا المنحى جماليّاً ؛ بعزوفها عن (الملْوَن/ الباليت) والإكتفاء بالتونات (الدرجات) اللونية في إطار حيّز الأبيض والأسود بقلم الرصاص أو الحبر الأسود ، مكررة المضمون نفسه بتنويع مفرداته(موضوعاته) وبتعبيرية مرمّزة..وهنا غالباً ما تطالعنا بتحطيم النسب التقليدية لجسم الإنسان والموجودات الأخرى، وخرق المنظور التقليدي ، ناهيكم عن تجزئة فضاء اللوحة هذه أو تلك إلى فضاءات عدة لماماً، لكنها مع كل ذلك بعيدة عن التجريب الشكلاني الصرف وعن متاهات التجريد وخوائه…
رغم حرص الفنانة زهرة على عدم اقحام الزوائد والإضافات على صعيديّ المبنى والمحتوى ، لايخلو بعض لوحاتها من بعض التكرارات والتراكمات اللامجدية كيفيّاً، ثم إن الركود داخل قوقعة أسلوب واحد مهما بلغ شأوه؛ سيحد بالضرورة من التطوّر الإبداعي لهذه الفنانة الشابة مستقبلاً، ويؤدي بها ، من ثم، إلى طريق مسدود دون ريب(2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعرض الشخصي الأول للتخطيطات (36 لوحة) على قاعة عبدالقادر الرسام – المتحف الوطني للفن الحديث/ بغداد ، تشرين الثاني 1985

(2) وهنا يحق لنا الإعتزاز بتلك الصفحة المشرقة من صفحات تاريخنا المتواضع، فهي تستحق الإستذكار، في حين يسعى الأشرار إلى القضاء على الذاكرة التاريخية أو مسخها على الأقل، بل وراح عتاة الطبّالين والزمّارين العفالقة والعفلقزادات الحرباوات البارعين في غسل وتبييض انتماءاتهم السياسية ومن ذوي الكفاءات التصفيقية الهائلة والمهرة في أكل الأكتاف، ومنهم حاصدو جوائز ملاحم القادسية وأم المعارك والحواسم ومعارض الحزب القائد وعرّابو الصحف والمجلات العفلقية، راحوا يزوّرون تواريخ قشيبة لبهلوانياتهم الفسفسية، ويقومون بمناقلة خدماتهم السخيّة، مستبدلين ممدوحيهم هنا وهناك ، على بركة الله ودكاكين السياسة وأكشاكها العظمى (المناضلة في النهيبة!) بقيادة أبطال زواج المتعة وتجّار المآتم والفلول العفلقيّة …وعلى إيقاع ” إمْنين يجيج إغرفي يَلْمِـسْـعِـدة ”

الفنانة الراحلة في سطور
————————-
× 1957 ولدت زهرة محمد في سورداش – محافظة السليمانية / كردستان العراق
× 1980 نالت شهادة البكالوريوس في الفيزياء / جامعة بغداد
× شاركت في جميع معارض جامعة بغداد وكلية العلوم خلال سنوات الدراسة الجامعيّة
× 1980 شاركت في معرض مهرجان الجامعات العراقية في البصرة
× 1980 شاركت في معرض جامعة بغداد في الكويت
× 1983 شاركت في المعرض الشامل للتخطيط والكَرافيك للفنانين التشكيليين العراقيين
× 1984 شاركت في مهرجان الواسطي الرابع
× 1984 معرض شخصي / قاعة متحف السليمانية
× 1985 شاركت في المعرض السادس للفنانين التشكيليين الكرد في السليمانية
× 1985 (ت 2) المعرض الشخصي للتخطيطات في بغداد
× 1986 شاركت في معرض الفنانين الكرد في أربيل
× 1988 معرض شخصي / قاعة الرشيد – بغداد
× 1991 معرض شخصي في مدينة زاخو – كردستان العراق
× 1993 لجأت إلى أستراليا ، ومارست الرسم بصورة متقطعة
× 1993 معرض شخصي / قاعة سانت اندرو هوبارت – تزمانيا
× 1994 معرض شخصي / الاسبوع العالمي لللاجئين – تزمانيا
× 1994 شاركت في معرض الفنانين الاكراد – قاعة المتحف الوطني في فيكتوريا
× 1998 شاركت في المعرض المشترك لمجموعة من الفنانين الاستراليين من اصول مختلفة على قاعة متحف البورهاوس سيدني
× عرضت لوحاتها في عدة مكتبات عامة كنشاط ثقافي للمكتبات العامة في سيدني
× 2008 أصيبت بسرطان الثدي ، ثم الكبد
× 2009 دخلت معهداً فنيّاً في سيدني
× 2011 (حزيران) توفيت في أستراليا بعد صراع مرير مع مرض السرطان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنويه مهم:
هذه المساهمة منشورة (بدون الهامش 2) في ملف (في ذكرى رحيل الفنانة التشكيليّة الكرديّة زهرة محمد فرج) بمشاركة الكاتبين خالد الحلّي و واصف شنون ، في (ع 5) ايار 2013 / نشرة (التناغم) الشهرية- أستراليا

شاهد أيضاً

قلبي صندوق موسيقا

قلبي صندوق موسيقا الغزلان التي نامت بلاصحو لم تكن تلعب الاستغماية مع السفح ولم يكن …