أخبار عاجلة
الرئيسية / شؤون ثقافية / سيرة الملائكة| 1

سيرة الملائكة| 1

سيرة الملائكة| 1
أريكة

جلست آراس على الأريكة الحمراء، بجانب النافذة المطلة على الشارع، تنظر إلى الرصيف، حيث جثامين القتلى التي سحبوها من تحت أنقاض المبنى المهدم بكامله. كانت تنظر إلى ستة جثامين بعينها، بعد أن تم رصفهم إلى جانب بعضهم بعضاً. تنظر إلى جثامين أولادها.
لا يمكن أن يحدث هذا!
ابتسمت عندما قالوا لها بأسى عميق، وبشيء من الذنب: لم يعثروا بعد على جثمان زوجها، فهم مازالوا يبحثون عنه، وعن أربعة جثامين أخرى.
ظلت تبتسم، وهي تقول: لا يمكن أن يحدث هذا!
أدارت آراس وجهها عن الشارع، بعد زواجها قضت أسبوعاً كاملاً في القرية. جاء زوجها، ماذا كان اسمه؟ ضحكت، ولم تتذكره.. وبعد أسبوع سافرت معه إلى حلب، بعد أن استأجر فيها بيتاً، وجهّزه بأبسط الأثاث، لأنه بالأصل لم يستطع أن يؤسسه بأكثر من ذلك، وظلا فيه أربع سنوات. كانت قد أنجبت خلالها ابنتيها هيفي وشيرين.. أما عندما فاتحت زوجها، بأنها ستتبع، بعد الآن، أساليب” منع الحمل”، فغضب بشدة، وسألها: لماذا؟
أجابته: لأن البيت لم يعد يتسع إلى المزيد من الأولاد.
حجة لاغير، قال زوجها، ثم تابع: أنت تريدين الكف عن الانجاب كنساء المدينة.
أجابته: أبحث لي عن بيت أكبر، لأنجب لك في كل تسعة أشهر مولوداً!
كان كلام زوجته مقنعاً له، لذا راح إبراهيم يبحث عن طريقة تساعده على شراء بيت، فوجد في” البنك” الطريقة المثلى لذلك. إذاً، عليك أن تقترض مالاً من” البنك” لتشتري به منزلاً..
تذكّرت آراس، وعيناها تدوران في جثامين أولادها، إن زوجها أشترى بيتاً بعد سنة، مؤلفاً من غرفتين وصالة..
دخل عليها زوجها، بعد أن رأته يسحب نفسه من تحت الأنقاض، وهو يضحك قائلاً: هيا. لقد عاينت طابقاً في حارة” بستان الباشا”، أعتقد بأنه يفي بغرضنا الآن. هيا لنره معاً. فأنا بصراحة، أعجبني جداً.
قامت آراس عن الأريكة الحمراء، ونفضت الغبار عن زوجها، ومسحت عن عينيه بعض الدم المتخثر، وسوًت له كشوط الجلد على جبينه، وقالت: هيا.
خرجا من البيت الذي كانت آراس قد رسمته على المساحة الاسفلتية من الطريق. توقف زوجها على الباب قبل أن يخطو خارج البيت، ونظر إلى المنزل المرسوم على الأرض، وقال: كم يشبه المنزل الذي سنراه.. أراه في التوزيع نفسه. غرفتاه تماثلان غرفتيّ هذه الدار المرسومة على الارض، والمطبخ، تقريباً هو نفسه.
ضحك، ثم قال لها: كأنك كنت معي البارحة يا آراس؟ إنه البيت نفسه!
ضحكت، وقالت باستغراب: لا!
ثم اضافت: على كلِ، إن كان البيت الذي حدثتني عنه يماثل هذا البيت المرسوم على الأرض، في توزيع غرفه ومنافعه، سيعجبني.
خرجا من البيت في الطابق الثاني من المبنى، ونزلا درجه، حتى خرجا منه إلى الشارع. ثم مرا بجانب جثامين أولادهما الستة، ثلاثة ذكور وثلاث إناث.
كان البيت الذي وصلا إليه، هو البيت نفسه الذي خرجا منه. هو البيت نفسه الذي رسمته آراس على الارض، هو نفسه البيت المدمر منذ يوم أمس.
دارت في غرفه ومنافعه الثلاث. ثم وقفت في الصالة، وأدارت نظرها فيها، وهي تضحك، وتقول: لو كانت الصالة أصغر لما رضيت به. ولكنها كبيرة وواسعة، ويمكن الاستفادة منها إن ضاق البيت بنا.
ثم أدارت وجهها فيما حولها، عندما سمعت أصوات أقدام تهرول في الشارع، وأصوات أخرى تنادي على الناس، أن يتوجهوا إلى الملجأ. ثم سمعت صوت طائرة. لم تعرف إن كانت بعيدة، أم قريبة، تحوم في السماء كأنها تبحث عن هدف ما..
عادت آراس تجلس في الصالة، فوق الأريكة الحمراء من دون أن تهتم بالمنادي، بالرغم من أنها سمعت عدة انفجارات بعيدة، هائلة. راحت تنظر عبر النافذة إلى الشارع الذي أصبح فارغاً من الناس، بعد أن قامت الجثامين التي كانت مرصوفة فوق الرصيف إلى جانب بعضها بعضاً، وهرعت بدورها إلى الملجأ، وهي تحاول ألاّ تتعثر بأكفانها التي انفلتت عن أجسادها!
هذا ما رأته آراس، وهي جالسة فوق الأريكة الحمراء أمام النافذة.

نيروز مالك

حلب| 2017

شاهد أيضاً

التحليل الروائــي للقرآن … صدور المجلد الثاني

التحليل الروائــي للقرآن … صدور المجلد الثاني عبد الباقي يوسف مشروع من أجل تجديد الخطاب …